Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the awesomegallery2003 domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170

Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the asg domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170

Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the waspthemes-yellow-pencil domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170

Notice: Function _load_textdomain_just_in_time was called incorrectly. Translation loading for the easy-digital-downloads domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170

Deprecated: preg_match(): Passing null to parameter #2 ($subject) of type string is deprecated in /home2/bucaille/public_html/wp-content/plugins/unyson/framework/extensions/sidebars/includes/class-fw-extension-sidebars-backend.php on line 81

Deprecated: preg_match(): Passing null to parameter #2 ($subject) of type string is deprecated in /home2/bucaille/public_html/wp-content/plugins/unyson/framework/extensions/sidebars/includes/class-fw-extension-sidebars-backend.php on line 81

Warning: _filter_fw_ext_sidebars_title_like_posts_where(): Argument #2 ($wp_query) must be passed by reference, value given in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/class-wp-hook.php on line 341

Warning: session_start(): Session cannot be started after headers have already been sent in /home2/bucaille/public_html/wp-content/plugins/unyson/framework/includes/hooks.php on line 259

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home2/bucaille/public_html/wp-includes/functions.php:6170) in /home2/bucaille/public_html/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
نصوص – Bucaillelegacy.com https://bucaillelegacy.com Thu, 29 Dec 2016 16:50:38 +0000 en-US hourly 1 https://wordpress.org/?v=7.0 119637700 كتاب الإشارات https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa/ https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa/#respond Tue, 29 Nov 2016 17:04:16 +0000 http://bucaillelegacy.com/?p=3210&lang=ar  

 

Book of Signs

أقدم فيما يلي نص الفيلم الوثائقيّ؛ “كتاب الإشارات” (1986) من إنتاج شركة سيد كاتشك لإنتاج الأفلام Kechik Film Production Syed الماليزية بالتعاون مع شركة ناس المحدودة Naas Ltd. الإنجليزية. وأقوم في سياق هذا الكتاب بنشر نص السيناريو والتعليق لأول مرة باللغة العربية، مع حفظ حقوق المشاركين في الكتابة وشركتيّ الإنتاج اللتين أخفقت محاولاتي المتكررة في الاتصال بهما للحصول على إذن بالنشر. إذ يبدو أن الشركتين لم يعد لهما نشاط.
غير أنه بعد أن نشر مساعدي عدنان باسرا على صفحتي على فيسبوك في يونيه 2015 خبراً متعلّقاً بأحدث إنتاج وثائقي لي، وهو الجزء الأخير من ثلاثية بوكاي بعنوان “قوة الإعجاز”، اتصل بنا الدكتور شاهروم دومMD. Dom Shahrom على الصفحة نفسها! وبعد طلب الإذن منه لنشر التعليق وافق بسرور مباركاً تقديره لجهودنا المتواصلة في التعريف بميراث موريس بوكاي.
وكان الدكتور شاهروم قد شارك الدكتور موريس بوكاي كتابة نص سيناريو الفيلم. وجدير بالذكر أن بوكاي يظهر بنفسه في الفيلم معلّقاً في مداخلة قصيرة.
كتب التعليق كريستوفر مولد Christopher Mould وبيتر نيل Peter Neal استنادا إلى كتابيّ الدكتور موريس بوكاي “الإنجيل والقرآن والعلم” و”أصل الإنسان”.
والفيلم من إخراج شاهروم دوم، وإنتاج تونكو عبدالرحمن بوترا الحاج Tunko Abdul Rahman Putra Al – Haj.
ترجمة وإعداد: الفاروق عبد العزيز

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {41/53} – سورة فصّلت، الآية 53.

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {41/11} – سورة فصّلت، الآية 11.

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {21/30} – سورة الأنبياء، الآية 30.

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {1/2} – سورة الفاتحة، الآية 2.

المعلّق:
شاهدنا للتو لقطات تشرح نظرية “الانفجار العظيم” وهي نظرية في خلق الكون تلقى قبولاً واسعاً في أوساط العلماء في عصرنا الحالي. أما الكلمات التي سمعتموها فهي آيات من القرآن كتاب الإسلام المقدس الذي يرجع تاريخ تنزيله وتدوينه إلى ما يربو على 1400 عام خلت.
القرآن هو قلب الإسلام النابض وروحه. ويؤمن المسلمون بأن القرآن هو حكمة الله التي أوحيت إلى نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم المرسل إلى البشر كافة. ويبدو من غير المعقول البحث عن معطيات علمية مؤسسة على حقائق في كتاب هداية اجتماعية وروحية تنزّل على نبيّ. ومع ذلك فإن القرآن يحتوي على كثير من الآيات التي تحوي أوصافاً للعالم الطبيعي الفيزيقي تتشابه إلى حد مذهل مع مثيلاتها في العلم الحديث. وتغطي تلك الآيات مجالاً واسعاً من الموضوعات لتبدأ من مسائل كونية شاسعة وتنتهي بأدق شئون الحياة على الأرض.

…وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {21/30} – سورة الأنبياء 21، لآية 30.

يختلف المنهج الذي يعرض به القرآن موضوعات المعرفة اختلافاً بيّناً عن أساليب العلم الحديث. فالمدخل العلميّ يقوم على عزل وتحليل الخاص بينما يشير الوحيّ القرآنيّ دوماً إلى الخاص في علاقته مع – وكجزء من – نمط الخلق الكليّ.
بمقدور العلم اليوم أن يفسّر أشكالاً شتى من التفاعلات المعقدة التي تنتظم وتحافظ على دورة الحياة فوق كوكبنا الأرضيّ. فبوسعنا أن نفهم تماماً اليوم الكيفية التي يمكن للحشرات والحيوانات والرياح أن تحمل بها حبوب اللقاح من الأعضاء المذكرة في النبات إلى الأعضاء المؤنّثة في نبات آخر. وتعتمد عملية التخصيب في النبات دوماً تقريباً على وجود خصائص جنسية محددة؛ عضو الذكر وبويضة الأنثى. تلك معلومات عامة اليوم، ولكنها لم تكن كذلك وقت نزول القرآن. فتلك المعلومات التفصيلية لم تكن معروفة على نطاق واسع. ولذا يدهشنا أن نقرأ في جزء من الآية 3 من سورة الرعد:

…وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ {13/3}

وفي جزء من الآية 53 من سورة طه:

…وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى {20/53}

ويورد القرآن هنا هذا التفصيل ليوسّع بها من آفاق إدراك الناس لوحدة الكائنات جميعاً وموقع الإنسان في الخلق كله. ربما تعيّن علينا في هذا الضوء أن نتوقع اكتشاف أن أيّ ملاحظة تفصيلية ترد في القرآن لابد أن تكون حتماً في اتساق مع العلم الحديث.
لقد كان اكتشاف العلاقة بين القرآن والعلم في مجالات بحثه هو الذي أدى بالدكتور موريس بوكاي إلى القيام بدراسة أوسع للإشارات العلمية في القرآن.
الدكتور موريس بوكاي (متحدثاً أمام الكاميرا):
“باعتباري طبيباً منجذباً بشكل خاص إلى علم وظائف الأعضاء والعلوم الطبيعية، لابد لي من أن أعترف بأنني حينما قرأت القرآن الكريم بلغته العربية لأول مرة في عام 1972، كانت المعلومات والمعطيات المتعلّقة بالجسم الإنساني فيه أول ما اجتذبني. وبالنظر إلى وضع المعرفة العلمية في عهد النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، لا يعقل أن يكون ذلك الكمّ الهائل من المعلومات المتصلة بالعلم الواردة في القرآن من وضع إنسان”.
المعلّق:
يستند هذا الفيلم إلى البحوث التي قام بها الدكتور بوكاي ونشرت لاحقاً في كتابيه؛ “الإنجيل والقرآن والعلم” و”أصل الإنسان”، ولقد تحوّل اهتمام الدكتور بوكاي إلى دراسة عامة احتوت على كمية منتقاة من الإشارات العلميّة الواردة في القرآن. وأدرك بوكاي أنه لابد من القيام بتطوير فهمه لكثير من فروع المعرفة العلمية الخاصة من أجل فهم تلك الإشارات بصورتها الإجمالية. ومع تقدم دراسته اكتشف أن كل وصف للعالم الماديّ وارد في القرآن مرتبط بالحقائق العلميّة المثبتة.
الدكتور موريس بوكاي (متحدثاً أمام الكاميرا):
“ولذا فإنه من المنطقيّ تماماً النظر إلى القرآن ليس باعتباره وحياً منزّلاً فحسب بل أن يُفرد له موقعٌ عليّ خاص به على أساس الضمان الذي يوفّره لنا بثبوت أصالته بالإشارات العلمية المتضمّنة في آياته. فعندما ندرس القرآن حتى في عصرنا هذا نراه لا يزال يشكّل تحدياً حقيقياً للمعرفة الإنسانية”.
المعلّق:
كيف يتسنى إذن لكتاب يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلاديّ أن يسبق هذا الكمّ الهائل من معارفنا العلمية اليوم…تلك المعارف التي تم اكتسابها بعد كفاح طويل؟ لكي نجيب عن هذا السؤال يتعين علينا النظر إلى طبيعة الوحيّ القرآنيّ واختبار صحة نصوصه وأصالته.
إن مكة الواقعة في شبه الجزيرة العربية هي مركز الإسلام. ولطالما كانت مكة مكاناً مقدساً، فقد كانت مركزاً للحج قبل زمن طويل من بعثة النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم. وهي مسقط رأس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمكان الذي نشأ فيه ليكون عضواً في مجتمع يمنحه أكبر قدر من الاحترام بالإضافة إلى نجاحه في التجارة. كان من عادته أن يأوي إلى الجبال القريبة لفترة يخلو فيها بنفسه طلباً للتأمّل والتفكّر. وفي غار حراء تنزّلت عليه أولى آيات الوحي وقد أتمّ الأربعين من عمره في السادس من أغسطس من عام 610 للميلاد:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {96/1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {96/2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {96/3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {96/4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {96/5} – سورة العلق، الآيات 1 – 5.

استمر التنزيل الإلهيّ لثلاثة وعشرين عاماً حتى وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في عام 632 للميلاد. ولمّا كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعرف القراءة أو الكتابة فقد استعان بأصحابه المتعلّمين ليملي عليهم ما أوحي إليه من آيات القرآن. وهكذا أشرف بنفسه على تدوين الآيات. وقد جمعت تلك الصحائف فيما بعد لتشكّل القرآن الحالي. ومجموع سور أو فصول القرآن 114 سورة تحتوي على ما يزيد عن 6000 آية. وفي غضون 15 عاماً من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قام صحابته ممن شهدوا الوحي بتجميع وتوثيق نسخة نهائية من القرآن. وقد تم هذا الإنجاز في زمن خلافة عثمان بن عفان في المدينة حيث دفن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
عندما جاهر النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم برسالته في مكة لاقى معارضة شديدة وعداوة كثير من أهلها فأجبر على الهجرة مع من اتبعوه. وفي المدينة آواه أهلها ونصروه وهنا تأسّس المجتمع الإسلاميّ الأول وتطوّر الإسلام إلى مجتمع. ومنذ ذلك الحين لم يتبدل حرف واحد في القرآن فاحتفظت الكلمات بمعانيها الأصلية. واليوم يقرأ المسلمون النص القرآنيّ ذاته كلمة بكلمة في لغته العربية الأصلية عبر أرجاء العالم الإسلاميّ من المغرب إلى ماليزيا.
يعتقد المسلمون أن القرآن هو كتاب الحكمة الذي يهدي مسيرة الإنسان في كل أوجه الوجود البشريّ على الأرض. فالقرآن لا يُعنى بالتنمية الروحية الداخلية للإنسان فحسب بل بسلوكه الخارجيّ وحياته في مجتمعه. ويتبدى المنهج الحاكم للحياة الإسلامية في كل من المجتمع الحضريّ المعقد، مثل مدينة لاهور في باكستان مثلاً، وفي المجتمع الريفي التقليدي. لقد اعتبر الإسلام دوماً أن الفرد هو الركيزة الأساسية لأيّ مجتمع صغيراً كان أم كبيراً. إن سلوك الفرد هو الذي يحدد مدى قوة أو ضعف النمط الاجتماعيّ. ويحفل القرآن بآيات وافرة ترشّد السلوك الفردي وتنصّ على مسئولياته تجاه الآخرين. وفي أيّ مجتمع مسلم، ريفياً كان أم حضرياً، فإن عناصر الهداية تلك يتم تلقينها وتدريسها وشرحها للأفراد في سن مبكرة. ويصف القرآن هذه المسئولية الفردية كأمانة استودعها الله في الإنسان. وتتضمن الأمانة مسئولية ثلاثية الأشكال؛ مسئولية تجاه النفس ثم تجاه الآخرين وأخيراً تجاه العالم الطبيعي. وهكذا يرى الفرد ذاته كجزء من كل عوضاً عن أن يكون كائناً منبت الصلة عما حوله.
يتبدى لنا عند قراءة القرآن كيف أنه يسبغ معنى على أكثر مظاهر الحياة اليومية اعتيادية وآلية. فلقد تنزّل القرآن قبل 600 عام من اكتشاف العالم المسلم ابن النفيس للدورة الدموية. وكان ويليام هارفي William Harvey هو الذي قدم هذا الاكتشاف إلى العلم الغربيّ بعد 1000 عام من نزول القرآن. بل إن الآية التالية تصف عمليتيّ الهضم وتوزيع العناصر الغذائية على مختلف الأعضاء والغدد عن طريق الدم:

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ {16/66} – سورة النحل، الآية 66.

يكتسب الفرد قوة حين يقبل مسئولية الحياة. فمن إحساسه بالهوية والانتماء تنمو قوة المجتمع القرويّ ومنها تتعاظم قوة المجتمع العالمي الأكبر. ويتعدى القرآن بالطبع كونه دليلاً هادياً للسلوك الاجتماعي والأخلاقي. فقبول الوحي يعني بشكل جوهريّ الإيمان بالله الخالق الأعظم، كما يعني أيضاً الإيمان برسله. ويعتبر القرآن حرفياً كلام الله. ومن المعروف جيداً أن المسلم يقيم الصلاة خمس مرات في اليوم، ولكن من غير المفهوم غالباً أن صلاته لا تنتهي بعد أن يغادر المسجد. إذ يتعيّن عليه أن يحمل صلاته معه لتصبغ وعيه الذي يقوده في مباشرة أنشطته اليومية بصبغة الله. وبهذه الكيفية يحاول تثبيت منظور إسلاميّ لحياته الفانية، فيعيش الدنيا ولا يعلق بها.
واليوم يعيش ما يربو على بليون مسلم في العالم في دول مختلفة تفصل بينهم اللغة والثقافة والسياسة. غير أن ما يوحّدهم هو الإيمان بالله والقرآن. هذا في عصر يشعر فيه أناس كثيرون، لاسيما في الغرب، بأن التقدم العلمي قد ألقى بظلال من الشك لا تقبل الجدل حول قيمة التعاليم الروحية. وكان الإسلام وحده هو الدين الذي لم ير مطلقاً أن هناك تناقضاً حقيقياً بين العلم والدين.
كان البروفيسور الراحل إسماعيل فاروقي حجة عالية القدر في ميدان الدراسات الإسلامية:
الدكتور إسماعيل فاروقي (متحدثاً أمام الكاميرا):
“أن تكون مسلماً يعني أن تكون عالماً لأنه لن يمكنك أن تكون مسلماً ما لم تفي بشروط الخلافة وهي أمانة المسلم ومسئوليته في الأرض. وشروط الخلافة تعني أن تتعامل مع الطبيعة فتقوم بتحويل الطبيعة داخلك ثم الطبيعة داخل الكائنات الإنسانية الأخرى وأخيراً الطبيعة الخارجية كالأشجار والجبال والأنهار وكل شيء في الخلق بأكمله (لصالحك). ولذا يجب عليك دراسة الطبيعة للتعرف على قوانينها وأسرارها لكي تتمكّن من التعامل معها وتحويرها لصالح الإنسانية. ثمة سبب آخر وهو أن الطبيعة هي خلق الله التي زرع فيها آياته، ومن ثمّ فلكي نعظّمه ينبغي علينا التدبّر في آياته الكونية واكتشاف سننها ومدلولاتها حتى نعرفه سبحانه ونجلّه. هذان سببان يعلّلان لم يتعيّن على كل مسلم أن يكون عالماً. ولذا أنجز المسلمون الأعاجيب في ميادين العلوم. وهكذا فإن المسلمين يدرسون الطبيعة ليس باعتبارها عدواً، كما اتخذها الإغريق مثلاً، أو لأن فيها جنيّاً يسعون إلى إخضاعه والسيطرة عليه. لا شيء من هذا على الإطلاق، بل لأن الطبيعة هبة من الله سخّرها للإنسان كي يعيش في كنفها ويؤدي شروط الخلافة التي أوصاه الله بها.
ومن خلال ملاحظة الإنسان للطبيعة تعلّم الإنسان دوماً أن يكيّفها وفقاً لاحتياجاته. وأنظمة الزراعة والري القديمة خير مثال للكيفية التي أمكن بها للإنسان تحويل فعل الملاحظة إلى نسق معرفيّ عملي. وكان من الضروريّ تنمية فهم الإنسان العلميّ للطبيعة لتطوير مثل هذه التقنية الأساسية”.
المعلّق:
كان على أوروبا أن تنتظر حتى القرن السادس عشر للميلاد لكي يقدم برنار باليسيBernard Palissy أول وصف متماسك للدورة المائية. فكتب يصف الكيفية التي تتبخر بها مياه المحيطات ثم تبرد مكوّنة السحب. بعدها تنتقل السحب إلى اليابسة حيث ترتفع وتتكاثف ثم تسقط أمطاراً. بعد ذلك تتجمّع مياه الأمطار في بحيرات وجداول وتنساب عائدة إلى المحيطات في دورة مستمرة. هذه صورة مألوفة لنا جميعاً اليوم. غير أن الأفكار التي كانت سائدة في زمن النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم أضافت إلى الأساطير والتخمينات أكثر مما لاحظت الحقائق. وفي القرن السابع قبل الميلاد اعتقد طاليس Thales of Miletus (فيلسوف يونانيّ قبل عصر سقراط اُعتبر واحداً من حكماء الإغريق السبعة) أن رذاذ الماء المنتشر فوق أسطح المحيطات يندفع بقوة الرياح محمولاً إلى اليابسة ليسقط مطراً. وكان القدماء يظنون أن الماء يعود إلى المحيطات عبر هاوية عظمى أسماها أفلاطون تارتاروس Tartarus، في حين تخيّل أرسطو أن الماء المبخّر من التربة يتم تكثيفه في كهوف جبلية مبرّدة مكوناً بحيرات تحت سطح الأرض تقوم بتغذية الينابيع.
بيد أن القرآن، وقد نأى بنفسه في موقع عال، فقد بعد عن أن يعكس المفاهيم غير الصحيحة السائدة في زمن تنزيله، فما جاء به في هذا العلم يتفق تماماً مع الحقائق الثابتة في علم المياه المعاصر Hydrology:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ… – سورة النور، الآية 43.
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ {30/48} وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ {30/49} – سورة الروم، الآيتان 48-49.

إن العلم هو دراسة العالم الماديّ والكيفية التي تعمل بها الطبيعة، في حين أن الآيات كما هي في التنزيل القرآنيّ تعرض رؤية عامة لذلك.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ… – سورة الزمر، الآية 21.

وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {30/24} – سورة الروم، الآية 24.

ويطلب القرآن من الإنسان أن يبحث عن العلم في نفسه وفي الآفاق في العالم الخارجيّ. ولكي يصل الإنسان إلى درجة الإدراك، لا مجرد النظر، عليه أن يوظّف عيناه وعقله وقلبه. إن أيّ قدر من المعرفة يتطلّب إيماناً، ولكنه ليس إيماناً أعمى كما يشيع خطأً لدى الكثيرين. إن الباحثين المخلصين عن المعرفة يترقّبون دوماً يوماً تمتحن فيه أفكارهم كما يمتحن إيمانهم.
وفي التاريخ القصير للعلم الحديث فإن كثيراً من الأفكار والمفاهيم المطروحة ما لبثت أن طرحت جانباً حالما أشار دليل إلى وجود حقيقة مختلفة. ومع ذلك فإن هناك اكتشافات علميّة يمكن بيسر القول عنها إنها حقائق لا تقبل الجدل. من بين هذه الحقائق حقيقة مقبولة اليوم ومعروفة على نطاق واسع وهي حقيقة أن الشمس مصدر مباشر للضوء وأن القمر، الذي لا يولًد ضوءً من عنده، هو مجرد جسم عاكس لضوء الشمس. إن معلومات تفصيلية كهذه لم تكن معروفة على نطاق واسع منذ 1400 عام. ولكن القمر يوصف في القرآن بأنه “منير” وهي كلمة تدل على أنه جرم “يعكس أو يستعير الضوء”. أما الشمس فيشبهّها القرآن “بسراج وهّاج” وهذا وصف دقيق وموجز للاختلاف بين ضوء الشمس ونور القمر.

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا {25/61} – سورة الفرقان، الآية 61.

لقد اعتقد العلماء والفلاسفة الأوروبيون لوقت طويل أن الأرض ثابتة في مركز الكون وأن كل جسم كوكبيّ آخر، بما في ذلك الشمس، يدور حولها. وظلّت نظرية مركزية الأرض Geocentricism في العالم الغربيّ سائدة كمسلّمة منذ زمن بطليموس Ptolemy في القرن الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس عشر للميلاد حينما أكّد كوبرنيكوس Copernicus أن الأرض هي التي تدور حول الشمس. وفي عام 1609 نشر عالم الفلك الألمانيّ يوهانس كيبلر Johannes Kepler كتابه المعنون: “علم الفلك الجديد” Astronomia Nova والذي استنتج فيه أنه ليست الكواكب وحدها هي التي تدور في أفلاك كهربائية حول الشمس ولكنها تدور أيضاً في الوقت نفسه حول محورها في سرعات غير منتظمة. ومن حصاد تلك المعرفة تمكّن العلماء الأوروبيون من الشرح الصحيح لكثير من الآليات التي تنتظم مجموعتنا الشمسية بما في ذلك عملية تعاقب الليل والنهار.
وفي شرح تعاقب الليل والنهار يستخدم القرآن الفعل العربيّ “يكوّر” لوصف الكيفية التي يلتفّ بها الليل ويدور حول النهار والنهار حول الليل. وهي حركة تتلاءم تماماً مع دورة الليل والنهار التي يحدثها دوران الأرض حول محورها.

…يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ… – سورة الزمر، الآية 5.

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {21/33} –سورة الأنبياء، الآية 33.

يسبق الوحي القرآنيّ العلم بمراحل عدة في رؤيته الموحّدة للخلق. حتى أن الإشارات الدالّة في آياته والمتعلّقة بالتحديد بأوصاف العالم الماديّ تتطابق تماماً مع الحقائق العملية المثبتة. فالقرآن يخلو بشكل كامل من أيّ تناقض مع هذه الحقائق.
لا يوجد هناك نزاع متأصّل بين مسعى الدين إلى الحكمة وبحث العلم عن الحقيقة، ولكنها القطعية العقائدية الجامدة Dogmatism التي أوجدت هذا الوهم. إن هذه العقائدية القطعية الدينية (القائمة على فرض نتائج بلا مقدمات منطقية) هي التي أدّت إلى إنكار اكتشافات علميّة شديدة الأصالة. وهكذا تنشأ القطعية العقائدية الجامدة في مجال العلم في غالب الأحوال بسبب العجز عن التمييز بين الحقيقة والنظرية العلميتين. ولا يوجد مجال يعلو فيه صوت القطعية العقائدية الجامدة أوضح من الجدل الذي أحاط وما زال يحيط بنظرية التطوّر Theory of Evolution.
وبالنسبة لمعظمنا فإن مفهوم التطوّر ملازم لاسم تشارلز داروين Charles Darwin.
(مشهد لمعلّم يعرض على تلامذته تمثالاً نصفياً لتشارلز داروين في أحد المتاحف)
المعلم: “هذا هو تشارلز داروين الذي نود أن نذكره لأنه كان أول من فكّر في آلية مقنعة لشرح الكيفية التي كان يمكن بها حدوث التطوّر. وقد أسمى داروين هذه الآلية “الانتخاب الطبيعي” Natural Selection وقدم وصفاً لها في كتابه. هل يتذكر أحد منكم اسم الكتاب؟”.
تلميذ: نعم…”في أصل الأنواع” On the Origin of Species.
المعلم: صحيح. أبحر داروين في المحيط إلى أن وصل إلى مجموعة من الجزر يطلق عليها جالاباجوسGalapagos . هل يتذكر أيّ منكم اسم سفينته؟
تلميذ آخر: بيجل.
المعلم: صحيح. السفينة اسمها إتش إم إس بيجل HMS Beagle.
في جزر جالاباجوس عثر داروين على أدلة حية على حدوث التطوّر. وجد على سبيل المثال أن هناك اختلافات كبيرة في مناقير العصافير من طيور الحسّون Finches حيث تطوّر كل منها للتواؤم ولاستغلال الوضع البيئيّ المتغيّر. غير أن جميع تلك الاختلافات قد وقعت في النوع نفسه. ولم يعثر داروين على دليل يدعم نظريته القائلة بتطوّر نوع إلى نوع آخر. وفي رسالة بعث بها إلى توماس ثورنتون Thomas Thornton Esq. في عام 1861 عبّر داروين عن هواجسه.
كتب يقول: “إنني أؤمن بالانتخاب الطبيعيّ Natural Selection ليس بسبب مقدرتي على أن أثبت، في أيّ حالة مفردة، أنه قد نجح في تحويل نوع إلى آخر، ولكن بسبب أن الانتخاب الطبيعيّ يقوم كما يبدو لي، بالتجميع والشرح الوافي لحزمة من الحقائق المتعلّقة بعلم الأجنّة التصنيفيّ Classification Embryology وعلم تركيب الخلايا Morphology والمكوّنات العضوية الأوليّة Rudimentary Organs والتتابع الجيولوجي Geological Succession وتوزيع الأنواع Distribution”.
وعلى الرغم من تلك الهواجس فقد تركت مساهمة داروين أثراً بلغ من قوته أن صبغ بلونه أغلب الأبحاث العلميّة التي أجريت فيما بعد في هذا الموضوع، حتى أن الصورة الشائعة عن التطوّر التي ترسم إنساناً منحدراً من قرد أصبحت شعبية في كل مكان إلى حد أنها تدرّس الآن لنا كما لو كانت حقيقة لا مجرد نظرية! وعلى مدار أكثر من قرن من البحث العلميّ (منذ نشر داروين كتابه في عام 1859) لم يتمكّن عالم واحد من إثبات هذه النظرية.
لفترة طويلة كان خط الأبحاث الرئيس في مجال علم الإحاثة Palaeontology يقوم على دراسة الأحافير المتحجّرة. وهنا لم تتوفّر سوى أدلة عشوائية محدودة للغاية منحت قدراً غير محدود من التكهّن. ففي عام 1971 كتب البروفيسور جراسيهGrasse الذي رأس كرسيّ الدراسات التطوّرية في جامعة السوربون University of Sorbonne في باريس لمدة ثلاثين عاماً يقول:
“عند دراسة تاريخ الحيوانات الرئيسة Primates ينبغي أن نكون حذرين من أن نأخذ عمليات إعادة تركيب أشكال أسلافنا على علاتها تأسيساً على بضع مخلّفات لهياكل عظمية يعرضها بكل جدية علماء إحاثة Paleontologists واسعو الخيال”.
ولعل هذا يفسر السرعة التي تم بها ابتكار أشجار السلالات البشرية Human Genealogy والسرعة التي طرحت بها جانباً. وأحدث ما أنتج في هذا الموضوع دراسات تبدو رثّة إلى حد كبير، على الرغم من أنها تعرض اكتشافات جديدة ومثيرة للاهتمام. غير أن الباحثين المشاركين في هذه الدراسات لا تتوفّر لديهم المعرفة ولا الحسّ السليم لتقديم تفسير صحيح لتلك الاكتشافات.
لقد أظهر الدليل الأحفوريّ أن تطوّر الإنسان قد مرّ بعدة مراحل. بيد أنه لم يتم العثور على أيّ دليل يربط تلك الأشكال الشبيهة بالإنسان Hominid Forms مع أيّ نسب حيوانيّ Lineage Animal. وتظهر لنا تخمينات هؤلاء العلماء حول أصل الإنسان مثل حالة إنسان بيلتداونPiltdown الشهير، التفكير الأحاديّ البعد لعلماء الإحاثة هؤلاء في البحث عن تلك الحلقة الافتراضية المفقودة.
ولعل أقدم وأقرب الأحافير المتحجّرة شبهاً بالشكل الإنسانيّ هي حفرية لوسي Lucy التي تنص الدراسات على أن عمرها يصل تقريباً إلى ثلاثة ملايين ونصف مليون عام. وقد أظهر التركيب العظميّ أن لوسي كانت تمشي منتصبة على ساقين مثلنا وليس مثل القردة. وقد انقرضت لوسي وسلالتها الأسترالوبيثيسين Australopithecines في وقت ما خلال العصر الجليديّ الأول.

وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا {71/14} – سورة نوح، الآية 14.

وقد توصّلت الأحافير التي عثر عليها في أفريقيا وآسيا وأوروبا إلى أنه كانت هناك موجة أخرى من شبيهي البشر أقرب إلى حجمنا وحجم لوسي مع سعة للمخ تشبه ما لدينا، وهي الموجة التي سميت بالإنسان المنتصب Homo Erectus ويبدو أنها اختفت في حقبة تقع بين خمسمائة ألف ومائة وخمسين ألف عام.
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {95/4} – سورة التين، الآية 4.
أما الموجة التالية وهي إنسان نياندرتال Neanderthal فكانت أقرب إلينا في التركيب وربما أيضا في الشكل الخارجيّ. وقد قضت هذه السلالة فيما بين مائة ألف وأربعين ألف عام مضت.
…إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ {6/133} – سورة الأنعام، الآية 133.
خلفت الموجة الرابعة إنسان نياندرتال. فإنسان كرو – مانيون Cro-Magnon هو السلف المباشر للإنسان الحديث. ولم يتم العثور على أيّ رابط واضح بين أيٍّ من تلك المراحل المختلفة.
نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا {76/28} – سورة الإنسان، الآية 28.
مرة أخرى يبدو أن العرض القرآنيّ والحقائق المكتشفة المبنية على أبحاث علمية يتطابقان من جديد. غير أن التشابه يتوقّف هنا حيث لا يتفق القرآن مع نظريات وتخمينات علماء الإحاثة.
لعل أحدث تأييد لنظرية تطوّر الأنواع يأتي من علم الأحياء الجزيئية Molecular Biology وبشكل خاص الدراسات المتعلّقة بالصبغياتChromosomes والشفرة الجينية Genetic Code. ففي الكائنات الحية متعددة الخلايا Multi Cellular Organisms نجد أن الشفرة الجينية الكاملة محتواة في نواة كل خلية من خلايا الجسم. هنا يرث الفرد نسخ الجينات نفسها من الوالدين، وهكذا يتم توارث المعلومات الجينية من جيل إلى آخر. وتظلّ الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تتغيّر بها الجينات محصورة في التحوّل Mutation كطفرة وراثية خلال عملية النسخ Duplication Process. وقد أوضح علماء الجينات Geneticists كيف أن عملية الطفرة هذه يمكن أن تفسّر حدوث تغييرات جسمانية رئيسة خلال فترة زمنية قصيرة، ولكن هذا التحوّل بعيد تماماً عن إثبات إمكانية تطوّر نوع إلى نوع آخر. بل هي أبعد من تقديم تفسير لوجود ما لا يعد ولا يحصى من أشكال للحياة على هذا الكوكب. ولكي تستطيع الكائنات الحية متعددة الخلايا تغيير طبيعتها ووظائفها لابد أن تتطوّر ملامح أخرى كثيرة معاً في آن واحد. وتحتاج هذه العملية إلى تنسيق جيني خيالي وأن ينسب علماء أحياء دقيقة Microbiologists هذا التنسيق الافتراضيّ إلى طفرة عشوائية اتفاقية مدفوعة بالمصادفة فهذا دفع مؤلم لحدود الخيال! ويحدد فرانسيس كريك Francis Crick (1916 – 2004)، الذي سيطر على مجال الأبحاث الجينية منذ البدايات الأولى لتلك الأبحاث، بصرامة وقسوة حدود المدخل الجزيئيّ لتفسير الطفرة. وبطريقة أو بأخرى يمكنك القول إن كل البحوث في مجال الأحياء الجزيئية الجينية التي أجريت خلال الستين عاماً الماضية كانت بمثابة فترة فاصلة طويلة الأمد، والآن قد اكتمل البرنامج وأتممنا دورة كاملة حيث عدنا من جديد إلى المعضلات التي خلفناها وراءنا دون حل. كيف يمكن لعضو أصيب بجرح أن يعيد توليد ذاته من جديد لكي يعود إلى تركيبته نفسها التي كان عليها من قبل؟ كيف تشكّل البويضة الكائن الحي؟ لا شيء تقريباً معلوماً عن الكيفية التي تتواصل بها الجينات…عن الأسلوب الذي تتعاون به بين بعضها البعض…عن المنهج الذي تنظّم به نفسها لكي تطوّر كائناً حياً بالغ التعقيد كالإنسان. إن محاولة لتفسير الحياة على أساس عشوائية الآليات المنظّمة للجزيئيات Molecular Mechanisms فحسب، هي محاولة بالغة التبسيط. فهي تخفق في مواجهة التساؤلات الجوهرية التي تغلّف عملية الخلق.

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ… – سورة الأعراف، الآية 11

.
إن الغاية من المفهوم الروحانيّ وراء خلق الإنسان من طين أو تراب معروفة للكافة. وقد أوضح العلم دوماً أن هناك حقيقة فيزيقية وراء تلك الغاية، حيث إن العناصر الكيمائية التي تكوّن الجسم البشري موجودة في الأرض بدرجة تقل أو تكثر.
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {82/7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {82/8} – سورة الانفطار 82 الآيتان 7- 8.
إن خلق الإنسان كنوع يمكن رؤيته في العالم الصغير Microcosm الذي يترافق وجوده مع خلق كل فرد من بني البشر. وتذهلنا الآيات القرآنية المحمّلة بإشارات عن التخصيب وتطوّر الجنين البشريّ بوضوحها ودقتها.
(مشهد داخل الرحم)
ما تشاهدونه الآن هي الرحلة الواقعية التي يقوم بها الحيوان المنويّ إلى البويضة وهي مادة فيلمية تصوّر لأول مرة داخل الجسم البشري.

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {53/45} مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى {53/46} – سورة النجم، الآيتان 45 – 46.

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {23/13} – سورة المؤمنون، الآية 13.

بعد تخصيبها تنتقل البويضة إلى الرحم حيث تعلق بجداره من أجل الحصول على الغذاء اللازم لتنميتها.

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {96/1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {96/2} – سورة العلق، الآية 1- 2.

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا… – سورة المؤمنون 23 الآية 14.

وكلما ازداد نمو الجنين انتقل عبر عدة مراحل تكون فيها معظم أعضائه مخلّقة وغير مخلّقة.

…فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ… – سورة الحج، الآية 5.

…وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ… – سورة السجدة، الآية 9.

واليوم…..نحن نعيش عصراً تميّز بإنجازات علميّة عظيمة، وعلمنا فيه الكثير عن آليات للطبيعة لا نهائية التعقيد. وعندما نفكر في التنظيم الرائع الذي ينظّم ميلاد الإنسان ويحافظ على حياته، تتضاءل وتتلاشى إمكانية التفكير في الحياة باعتبارها وليدة المصادفة. وفي الوقت الذي يغوص فيه العلماء إلى أعماق سحيقة في العوالم الخلوية ودون الذرّية ثم يحلقّون صوب اللانهائيّ في أجواز الفضاء لكشف أسراره، فإنهم يشارفون على الاقتراب من تخوم جديدة ومحيّرة للمعرفة. وهنا تؤذن النظرة الآلية الكلاسيكية للحياة بالتوقّف حين يجد العلماء أنفسهم وقد ووجهوا بتساؤلات كان ينظر إليها دوماً باعتبارها لا يصحّ البوح بها إلّا في غرفات الروح والمعتقدات الدينية.
من المؤكّد أن العلم وحده، وهو شكل نسبيّ للمعرفة، لن يتمكن أبداً من الإجابة عن هذه التساؤلات.

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ {55/33} – سورة الرحمن، الآية 33.

إن إدراك الحياة بصدق يمكن فقط فهمه حقاً في ضوء تبادل العلاقات والاعتماد المتبادل التي تمثّل نقطة انطلاق المعرفة الدينية والروحية جميعاً. والوحيّ القرآنيّ هو الخاتم في الرحلة الطويلة للحكمة المنزّلة. فهو يمثّل عرضاً عاماً متضمّناً كل السبل السالكة صوب المعرفة، بما فيها المعرفة العلمية، والتي يمكن أن تهدي إلى فهم أكمل وأشمل للرسالة الإنسانية على الأرض. إن العالم اليوم يشهد معاناته من الافتقار إلى هذه الرؤية الموحّدة.

]]>
https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa/feed/ 0 3210
في صحبة موريس بوكاي https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/ https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/#respond Tue, 29 Nov 2016 16:57:08 +0000 http://bucaillelegacy.com/?p=3208&lang=ar

في عام 1987 تلقى الدكتور موريس بوكاي دعوة من معهد الإعلام والتعليم الإسلاميّ في شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية لإلقاء محاضرتين. واستندت المحاضرتان إلى كتابين لبوكاي هما: “الإنجيل والقرآن والعلم” (1976) و”أصل الإنسان” (1981).
في اليوم السابق على المحاضرة الأولى التقى الدكتور بوكاي في لقاء غير رسميّ مجموعة من العلماء والمعلمين والأطباء الأمريكيين في حديث خواطر أثرى به الدكتور بوكاي معلومات الحاضرين عنه وخاصة عما لم يذكر في كتابيه.
وأعتقد أن نشر هذا اللقاء أخيراً ولأول مرة باللغة العربية يوفّر فرصة فريدة من جوانب عدة. فالنص الذي تم تفريغه بالإنجليزية من لقاء مسجل بالصوت والصورة يفتح أبواباً لتعرّف جوانب مجهولة للكثيرين في حياة الدكتور بوكاي ومسيرته وإنجازه. بل إني أرى النص منبراً يعتليه بوكاي ليرد بنفسه وبلسانه على كثير من المعلومات غير الصحيحة المتداولة عنه شخصياً وعن الظروف المحيطة بجهوده العلمية في مقالات وكتب وعلى صفحات في مواقع إلكترونية.
بل إن هذا اللقاء لم يكن متاحاً حتى بالفرنسية، لغة بوكاي، حتى اتصلت بي المجموعة الإعلامية الإسلامية الفرنسية Alamane Studio في عام 2011 لتطلب النسخة الإنجليزية لترجمتها إلى الفرنسية تعميماً للفائدة ولأغراض البحث العلمي.
وقد رأيت أنه من المناسب ذكر الآيات القرآنية التي أشير إليها في الجلسة لتوضيح النقاش.
ترجمة وإعداد: الفاروق عبد العزيز

تقديم مدير الجلسة
تسنح لنا اليوم فرصة رائعة للحديث مع الدكتور موريس بوكاي وهو عالم فرنسيّ شهير مرموق اهتم كثيراً بدراسة الكتب السماوية المقدسة في فترة من حياته وعلى وجه الخصوص قام بدراسة الإنجيل والقرآن الكريم وقام بمقارنتهما بالعلم. ونتيجة للأبحاث التي قام بها اكتشف الكثير مما يثير الاهتمام حيث وجد تطابقاً بين كتاب مقدس والعلم من جانب وفي الوقت ذاته وجد تناقضات بين كتب مقدسة أخرى والعلم من جانب آخر. هذا موضوع لقائنا معه اليوم. وقد نشر الدكتور بوكاي كتابين؛ الأول بعنوان “الإنجيل والقرآن والعلم” وقد نشر باللغة الفرنسية ثم ترجم إلى الإنجليزية. ومنذ ذلك الحين تمت ترجمته إلى عدة لغات أخرى من بينها العربية والإسبانية والتركية والأوردو. أما الكتاب الثاني فهو “أصل الإنسان” حيث تناول الدكتور موريس التناقض بين الخلق Creationism والتطوّر Evolutionism وقد اكتشف بعض الحقائق الأكيدة في ضوء الإنجيل والقرآن الكريم. ثمة كتاب ثالث، تحت الطبع في الوقت الحالي، عنوانه “مومياوات الفراعنة: بحوث طبية حديثة”. وفي هذا الكتاب نجح الدكتور بوكاي في تحديد هوية الفرعون الذي كان يحكم مصر عند ميلاد النبيّ موسى عليه السلام والفرعون الذي حكمها عند خروج موسى عليه السلام من مصر.
مع تلك الملاحظات أقدم لكم الدكتور موريس بوكاي وقد تكون لديه الرغبة في تقديم بعض الملاحظات الافتتاحية، ثم يلي ذلك طرح الأسئلة إن شاء الله.
ملاحظات افتتاحيّة للدكتور موريس بوكاي
ربما يتعيّن عليّ أن أحدثكم أولاً حول الكيفية التي واتتني بها فكرة القيام بمقارنة بين الكتب السماوية المقدسة وبين العلم.
بدأ الأمر حينما كنت على وجه التحديد في الخامسة عشرة من عمري…كنت لا أزال تلميذاً في مدرسة مسيحية كاثوليكية، وهو الموقع الذي أتاح لي تعرّف الأناجيل بدرجة جيدة. غير أنه وعلى غير توقع مني أصابتني صدمة شديدة حينها. فقد نما إلى علمي لأول مرة حقائق علمية وجدتها تتضارب مع ما جاء في الأناجيل!
إليكم وصفاً لهذه الحادثة.
أعلن في عام 1935، حين كنت في الخامسة عشرة من عمري، عن اكتشاف مهم متعلّق برسوم بشرية عُثر عليها على جدران كهف يقع في جنوب إسبانيا. كان هذا اكتشافاً حقّقه عالم فرنسيّ كان في الوقت ذاته كاهناً. نشر هذا الاختصاصيّ نتائج اكتشافه في عدة مقالات ومحاضرات. وكان أهم ما لفت نظري في اكتشافه حقيقة أن تلك الرسوم يرجع تاريخها إلى حوالي 15 ألف عام من ذلك التاريخ – 1935. وفي كتاب التعليم الدينيّ الذي كنا ندرسه يذكر المؤلفون أن أول ظهور للإنسان على سطح الأرض يرجع تاريخه إلى حوالي 40 قرناً قبل ميلاد المسيح عليه السلام.
توجهت إلى الأب مدرّسي بسؤال: “قل لي يا أبت…أيّهما أصدّق…كتاب الدين أم هذا الاكتشاف؟ أجابني الأب: “لا…لا…لا تخلط بين شيئين؛ هناك الدين وهناك العلم. إذا كان هناك شيء غير متوافق مع الدين فما يقوله الدين هو الحقيقة”. قلت لنفسي: “ولكن هذا مستحيل! فتقدير عمر تلك الرسوم قد تم باستخدام أدوات وأساليب غاية في الدقة، ولذا فهي حقائق مبرهن عليها. وبالتالي فإن أول ظهور للإنسان لا يمكن تقديره وفقاً للزمن المذكور في الكتب الدينية. هذا مستحيل!”.
لقد تم تلقيننا فكرة أن الدين قد يخطئ في مثل هذه الأمور أو قد يكون فيه بعض التضارب، وكان هذا صحيحاً فيما يتعلّق بهذه الحادثة، لأن العلم كان يقول شيئاً بينما يقرّر الدين شيئاً مختلفاً تماماً. أين هي الحقيقة المؤكدة إذن؟
وقلت لنفسي…هناك بالتأكيد خطأ ما.
زد على ذلك…فإنه يرد في إنجيل لوقا على سبيل المثال أن هناك 76 جيلاً من البشر يمتد بين آدم والمسيح عليهما السلام. هذا مستحيل! إن الأمر هنا يتعلّق بالأناجيل. وبالنظر إلى أنني كنت أدرس في مدرسة مسيحية فقد تركت هذه الحادثة في نفسي أثراً مهماً للغاية. وقد أردت هنا أن أشرككم في هذا الشعور.
في بداية دراستي الطبية كان علم الأحياء قد أحرز تقدماً كبيراً يختلف مستواه بالطبع عما بلغه في الوقت الحالي. ولكنني استطعت آنذاك تكوين أفكار علمية عدة قد تجعل المرء يقطع، بالنظر إلى وظائف الخلايا، بأن التاريخ الوارد في الأناجيل لعمر الإنسان غير صحيح. هذا ما كنت أفكر فيه بالتحديد في ذلك الوقت.
بيد أن بالنسبة لي لم يكن الدين مناقضاً للعلم في أيّ وقت من الأوقات. وكان العلم هو ما قادني إلى الإيمان بالله والتفكّر فيه منذ أن كنت شاباً. وأذكر أنني قلت لنفسي حينها إنه من غير الممكن أن يكون هناك إله لليهود وآخر للمسيحيين وثالث للمسلمين. لقد جاءني هذا الشعور بشكل طبيعيّ. ولعله كان السبب الذي جعلني، قبل أن تتاح لي فرصة معرفة القرآن معرفة دقيقة، جعلني أحب الله الإله الواحد. وأعتقد أن هذا بعض ما ردّده البابا في أثناء زيارته للمغرب في العام الماضي حسبما أتذكر، ولذا فقد كانت فكرة الإيمان بالله الواحد الأحد مسألة طبيعية تماماً بالنسبة لي حتى قبل تعرّف القرآن.
بدأت المرحلة الثانية في رحلتي حينما كنت أستقبل مرضى مسلمين في باريس. كان عمري آنذاك يقارب الأربعين عاماً. وأذكر أنه سنحت لي فرصة الحديث مع كثيرين منهم حول الدين الذي كانوا يعتنقونه وكيف أنه مختلف عن ديانتي. وكما ترون فقد كنت أعتقد أن القرآن في الأصل كلام بشر. ولكنّ كثيراً من مرضاي المسلمين أخبروني بأنني على خطأ في هذا الصدد وأن القرآن حقاً كلام الله. قلت لنفسي في البداية…إنني بالتأكيد على صواب بينما هم المخطئون. غير أنه مع مضيّ الأعوام وغلبة المعلومات التي وفّرها لي هؤلاء المرضى، وكان بعضهم على دراية كاملة بدينهم أهّلتهم لكي يشرحوا لي كثيراً مما كنت أجهله، تأثّرت بما سمعت. وقد أخبروني بأنني لو رغبت حقاً في دراسة الإسلام وما يتصل به فالأفضل لو تمكنّت من تعلّم اللغة العربية أولاً…”فحينها ستكون قادراً على قراءة القرآن بلغته الأصلية؛ اللغة العربية. وحينها ستدرك أن أفكارك حول القرآن كانت غير صحيحة تماماً”.
وهكذا قررت ذات يوم دراسة اللغة العربية في باريس، وكان عمري وقتها خمسين عاماً. كان تعلّم العربية في البداية أمراً بالغ الصعوبة حينما بدأت دراستي المنتظمة في المدرسة الوطنية للغات الشرقية بجامعة باريس. ولكنني فوجئت أنه في بداية العام الثالث من الدراسة كان الطلبة قادرين على قراءة مقاطع كاملة من القرآن، وهي المقاطع التي لم تكن شديدة الصعوبة، كمقاطع معينة في سورة البقرة على سبيل المثال. كنا نقرأ القرآن ونتعلّم اللغة العربية في الوقت ذاته. وأذكر جيداً أننا كنا نقوم في وقت متزامن بدراسة كتاب “الأيام” من تأليف طه حسين لإجراء مقارنة بين لغة القرآن وهي اللغة العربية الفصحى، ولغة الأدب العربيّ الحديث. كان هذا تمريناً رائعاً بالنسبة لنا كطلبة حين نقوم بمثل هذه المقارنات، فقد اكتشفنا أن لغة القرآن تعلو على أي مقارنة. حين أنهيت دراستي صرت قادراً بفضل الله على قراءة القرآن بلغته الأصلية. ليس أمراً سهلاً أن تقرأ القرآن بداية من سورة الفاتحة وحتى إتمام قراءة 114 سورة. كانت تلك قراءة مطوّلة بالنسبة لي ولكنني أصبحت بحمد الله قادراً على قراءة القرآن كاملاً. لقد قرأت القرآن دون أن تكون لدي أدنى فكرة مسبقة على الإطلاق بأنه قد يكون كلام الله. ولكنني تعرّفت مصدر القرآن الكريم بنفسي بعد ذلك.
فخلال دراستي للقرآن الكريم لفت انتباهي وجود كمٍ من الآيات المحمّلة بإشارات علمية. أعددت قائمة بها وفي النهاية تجمّع لدي ما بين 150 إلى 200 آية قمت بتبويبها وفقاً للعلوم التي تدل عليها الإشارات العلمية في تلك الآيات. لقد تأثّرت كثيراً في أثناء قيامي بتلك العملية، وقلت لنفسي حينها إن ذلك مستحيل! مستحيل أن تكون هذه الآيات من كلام البشر! فبالنظر إلى تاريخ العلوم حتى ذلك الوقت، كان من المستحيل تصوّر أن يكون بشر حائزاً لمعرفة بكل تلك العلوم التي تشير إليها الآيات المسجلة على قائمتي. وحيث إن القرآن قد أنزل منذ حوالي 1400 عام فكيف يمكن لإنسان أن يخبر عن علوم بتفاصيل لم نكتشفها إلّا في القرن العشرين. كان أول رد فعل عندي هو رد فعل شخص اكتشف بأنه كان مخطئاً في معرفته بالقرآن. ربما كانت الترجمات التي قرأت القرآن بها من قبل مسئولة عن تصوراتي غير الصحيحة. وأذكر أنني بعد تعلّم العربية كنت استشير ترجمتي مارماديوك بيكثال Marmaduke Pikthall ويوسف علي Yusuf Ali لمعاني القرآن للاسترشاد في ضوء معرفتي بالعربية للحصول على أوضح المعاني وخاصة فيما يتصل بقائمة الآيات المختارة لدي، وهي آيات متعلّقة باكتشافات علمية حديثة. وقد لاقى عملي هذا استحساناً كبيراً من أساتذتي. بعدها قمت باستشارة عدد من الباحثين. وفي النهاية ذهبت للقاء عالم الإسلاميات الفرنسي الشهير الدكتور هنري لاروسHenri Larousse ، وهو أخصائيّ معروف بتعمّقه في دراسة ابن تيمية، الذي نصحني بضرورة تأليف كتاب حول القرآن والعلم. وعلى الفور قابلت اقتراحه بالرفض قائلاً: “هل تتخيلني جراحاً معروفاً يؤلّف كتاباً عن الإسلام والعلم!؟ لست متبحراً في العلوم الإسلامية. صحيح أنني على دراية جيدة باللغة العربية تمكنّني من إجراء مناقشة حول تعاليم القرآن، ولكن هذا لا يؤهّلني لتأليف كتاب في هذا الموضوع”.
سؤال: كان ذلك بين عامي 1973 و 1974؟
دكتور بوكاي: كان تحديداً في عام 1974.
سؤال: ثم نشرت هذا الكتاب، كتابك الأول، باللغة الفرنسية…
دكتور بوكاي: دعني أروي لكم ما حدث. رفضت في البداية بشكل قاطع تأليف كتاب عن الإسلام والعلم. قال لي أصدقائي بأنه يجب عليّ القيام بذلك، لسبب رئيس هو أن علماء الدين والشريعة الإسلامية لا يمتلكون ثقافة علمية. بعد مضي أسابيع واتتني فكرة القبول. عندها عدت إلى أستاذي وأخبرته أن تأليف الكتاب ممكن شريطة دعمه لتلك الفكرة والعثور على ناشر مناسب. في ذلك الوقت كانت دراساتي المسهبة للأناجيل قد حققت تراكماً مفيداً أتاح لي أن أجمع معلومات قيّمة متعلّقة بخروج موسى عليه السلام من مصر. ولكن ما عدا ذلك من معلومات إنجيلية يمكن التعليق عليها في ضوء معلومات علمية حديثة فلم أجد نصاً واحداً يمكن قبوله علمياً. وفي النهاية أبلغت أصدقائي بأنني ربما أكتب كتاباً لا يتناول العلاقة بين القرآن والعلم فحسب بل يضمّ الإنجيل والقرآن والعلم الحديث معاً. واستغرق الأمر عاماً ونصف العام حتى صرت قادراً على الشروع في الكتابة.
نُشرت الطبعة الفرنسية الأولى من الكتاب في عام 1976، وفي الوقت الحالي يحقق الكتاب أعلى المبيعات في فرنسا. وقبيل مغادرتي فرنسا قادماً إليكم كانت قد صدرت للتو الطبعة الفرنسية الثالثة عشرة منه. وفي العام الماضي تلقيت جائزة “الكتاب الذهبيّ” Livre d’Or التي تمنح لأعلى الكتب مبيعاً في فرنسا. وقد أخبرني الناشر الباريسي أنه قام مؤخراً بطباعة حوالي 140.000 نسخة من الكتاب. وهذا لا يشمل طبعات عدة من كتب الجيب Pocket Book المخصّصة للبيع خارج فرنسا.
هذه هي القصة التي أعتقد أنه من المفيد مشاركتكم إياها لرغبتي الحارّة في أن أؤكّد لكم أن ما فعلته لم ينطلق من إيمان مسبق بالدين الإسلاميّ. كانت دراسة القرآن المقارنة مع الإنجيل والعلم بمثابة نقطة البداية والمنطلق. إن موقفي من القرآن الآن قد تبلور بعد بحث وتفكّر علميّ عميق قادني ببساطة إلى القول بأن القرآن لا يمكن أن يكون على الإطلاق من وضع بشر، وأن محمداً صلّى الله عليه وسلّم هو بالتأكيد رسول من الله، وأن القرآن لا يمكن إلّا أن يكون وحياً أوحى به الله إلى نبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم…رسول رب العالمين إلى البشر. لقد رأيتم للتو كيف تطوّر تفكيري. كما بينت لكم دوافعي. وأعتقد أن هذه مقدمة جيدة لاستيعاب حقيقة أن التفكير العلميّ كان هو الأساس الوحيد الذي اعتمدت عليه فيما أنجزته من دراسة للعلاقة بين الإنجيل والقرآن والعلم الحديث. وكان البحث العلميّ وحده الأساس الذي بنيت عليه كتابي الثاني الذي يدور حول أصل الإنسان.
وفي الختام ألتمس منكم العذر إذا كانت مقدمتي مسهبة إلى حد ما، ولكني أعتقد أنها كانت ضرورية.
وهنا يعلن مدير الجلسة وقف الحوار لإقامة الصلاة.
قطع مونتاج في الشريط ثم استؤنف الحوار…
سؤال: ذكرت في كتابك أنك لم تتمّكن من العثور على أيّ تناقض بين الإسلام والعلم. هل هذا صحيح؟
دكتور بوكاي: بالطبع، فقد أجريت أبحاثي بتعمّق.
مدير الجلسة: أدعو الآن الدكتور أختر حسين ليقدم سؤاله. الدكتور أختر حسين طبيب جرّاح ورئيس أحد المراكز الإسلامية في شيكاغوMuslim Community Centre Chicago، وهناك مركز آخر سيقوم الدكتور موريس بوكاي بزيارته غداً إن شاء الله ليلقي محاضرته الأولى حيث يرأس الدكتور أختر حسين الجلسة.
دكتور أختر حسين: يؤمن السواد الأعظم من العلماء اليوم بصحة نظرية داروين التي تفترض خضوع الكائنات جميعاً، ومن بينها البشر، لعملية التطوّر. وقد قرأت كتابك واستمعت إلى بعض التصريحات التي أدلى بها علماء متعددون حول هذه النظرية ومدى إخفاقها في ضوء المعرفة التي حصلنا عليها من خلال علوم الأحياء والحيوان والإحاثة (1) Palaeontology وعلوم أخرى حديثة. ولكنني أود أن استمع منكم إلى رؤيتكم للحقائق الواقعية والملموسة التي على أساسها ترفضون نظرية داروين…لاكتشافي، على الرغم من ذلك، أن هناك عدداً متزايداً من الناس يؤمن بصواب تلك النظرية.
دكتور بوكاي: الإيمان بصوابها غباء! فنظرية داروين نظرية قديمة بالية، وفي الوقت ذاته لم يقدم داروين أيّ شيء لعلم الجينات. والآن لدينا ما يعرف بالجينوم وهذا يفسر التعديل الذي يجري على الخلايا والأنسجة والأعضاء، ولم يقدم داروين نفسه كلمة “التطوّر” في كتابه، إلّا أنه كان واقعاً تحت ضغط كبير من تابعيه، وفي الطبعة الأخيرة من كتابه وقبيل وفاته أدخل الكلمة في كتابه “في أصل الأنواع” On the Origin of Species. وقد نشر الكتاب لأول مرة في عام 1859. هذه معلومة مهمة للغاية. وما يزيد عن ذلك أهمية هو استشهادي في كتابي بما قاله داروين نفسه. ولكن يبدو لسوء الحظ أنك لم تقرأ كتابي وإلّا لما طرحتم هذا السؤال.
دكتور حسين: لقد قرأته ولكني طرحت السؤال حتى يعلم الحاضرون.
دكتور بوكاي: سأطلعكم على بعض ما كتبه داروين (يقرأ بوكاي من كتابه “أصل الإنسان”) وأنا هنا أقتبس ما كتبه داروين في رسالة إلى توماس ثورنتونThomas Thornton Esq. وأقتبس منها هذه العبارة: “إنني أؤمن بالانتخاب الطبيعيّNatural Selection ليس بسبب مقدرتي على أن أثبت، في أيّ حالة مفردة بعينها، أنه قد نجح في تحويل نوع إلى آخر، ولكن بسبب أن الانتخاب الطبيعيّ يقوم، كما يبدو لي، بالتجميع والشرح الوافي لحزمة من الحقائق المتعلّقة بعلم الأجنّة التصنيفيّ Classification Embryology وعلم تركيب الخلايا Morphology والمكوّنات العضوية الأوليّة Rudimentary Organs والتتابع الجيولوجي Geological Succession وتوزيع الأنواع الطبيعي Natural Distribution “. وهكذا نرى أن داروين لم يتمكّن، ولو في حالة واحدة، من اكتشاف أيّ مثال على حدوث التطوّر في جميع تلك الملاحظات. ويرجع ذلك إلى أن داروين قد لاحظ التغييرات في إطار نوع واحد. ولكنه لم يلاحظ تطوّر أو تحوّل جنس أو سلالة إلى جنس أو سلالة أخرى. وهذا هو موضوع التطوّر. إن نجاح داروين كان رائعاً بسبب جملة من الأسباب؛ في مقدمتها أنه كان المتحدي الأول للإنجيل في نظر السلطات الدينية في بريطانيا في ذلك الوقت. وبدلاً من أن يقولوا لداروين بأن الإنجيل يؤكّد أن هناك ثباتاً في الأنواع، هاجموه. والواقع أن مؤلفي الأناجيل قد كتبوا ما كتبوه من معلومات علمية وفقاً لما كان شائعاً في عصورهم. وفي هذه الحالة من المستحيل الاعتقاد بخلو الأناجيل من الأخطاء. ولكن الكنيسة أصرّت على اعتبار الإنجيل كلام الله ولا يمكن مناقشة موضوع ثبات الأنواع. كان هذا أحد أسباب الصراع بين الداروينية والمسيحية. واتخذ أصحاب العقائد المادية من داروين مثالاً منذ ذاك، واستمر تابعوهم على هذا النحو إلى اليوم. وبالنسبة لي فإن قيمة كتاب داروين هي نفس قيمة كتب الأطباء، أو من أسموهم أطباء، في زمن مؤلفنا المسرحيّ الشهير موليير. فبينما كان حديث هؤلاء الأطباء يتمحور حول الأرواح وأشياء أخرى، كان داروين يتحدّث عن ملاحظاته حول نظرية الانتخاب الطبيعيّ. إنها مجرد كلمة تخلو تماماً من أية ملاحظة ملموسة مبرهن عليها. إن ذيوع صيت داروين راجع إلى اصطدامه بالسلطات الدينية وهو إنجاز لا يزال مستمراً إلى يومنا هذا.
سؤال: ذكرت في كتابك “أصل الإنسان” أن علم الحفريات يقدم لنا نظرية للتطوّر المتعاقب أو بروز الحيوانات الرئيسة، ثم ذكرت أن الكائنات البشرية Homo Sapiens قد ظهرت من الأرض. هل تؤمن تبعاً لذلك بالتحوّل المورفولوجي، الناتج عن تكوين الخلايا، للكائنات البشرية؟
دكتور بوكاي: بالتأكيد.
سؤال: هل أمكنكم تفسير ذلك في ضوء الآية القرآنية التي أعتقد أنها وردت في سورة نوح:
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا {71/14}
دكتور بوكاي: بالتأكيد.
سؤال: هل شرحت ذلك على أساس الآية القرآنية أم على أساس التطوّرات الجنينية التي يمرّ بها الجنين في الرحم؟
دكتور بوكاي: على الأساسين معاً حيث يتعيّن وجود بعض التغييرات والتعديلات في أرحام الأمهات للحصول على النتيجة النهائية. وهذا تحوّل يحدث لأحد مخلوقات الله وهي النوع الإنساني. لاحظ أنني لم أكتب كلمة “تطوّر” حيث إنها تعني تحوّل نوع أو سلالة إلى نوع أو سلالة أخرى. في هذا الكتاب أشرت إلى “تحوّل” الكائنات البشرية واستخدمت كلمة التطوّر مع مملكة الحيوان، وهذا هو الاختلاف.
سؤال: هل تعتقد أن هناك تطوّراً في المملكة النباتية والمملكة الحيوانية وليس في النوع البشريّ؟
دكتور بوكاي: بالطبع.
سؤال: كيف ذلك؟ إن ما أحاول الوصول إلى إجابة عنه هو لم قبلت بفكرة التطوّر في المملكتين الحيوانية والنباتية ولم استثنيت الإنسان منها؟
دكتور بوكاي: لم استثن أحداً ولكنها الحقيقة ماثلة أمام أعينكم. إنّ التطوّر في المملكة الحيوانية والنباتية واقع لا يمكن لأحد رفضه على الإطلاق. وهي عملية شرحها بسيط. تعرفون تمام المعرفة أن ظهور الإنسان على سطح الأرض حديث جداً مقارنة بظهور الكائنات الحية الأولى على كوكبنا، ومن الواضح أن ذلك بدأ منذ نحو بليوني عام أو ثلاثة بلايين عام تقريباً. كانت الكائنات الحية في تكوينها الأوليّ البدائيّ موجودة على الأرض، في حين أن سلالة أسلاف البشر Homo Sapiens، يرجع تاريخ ظهورها إلى حوالي أربعة ملايين عام. وقبل تلك الهيئات البدائية للكائنات البشرية لم يكن هناك شيء يذكر. ولا يوجد أيّ رابط على الإطلاق بين النوع الإنساني وغيره من الأنواع. ولكن علم الإحاثة لا يكفي وحده لتفسير نشأة الإنسان. ففي الوقت الحاليّ لدينا علم الأحياء الدقيقة وعلم الجينات ولدينا الكثير ممّا يكتسب أهمية بالغة في مساعدتنا على شرح عملية التحوّل في النوع البشريّ، وفهم عملية التطوّر في المملكة الحيوانية. هذه وجهة نظري، وقد تكون لديكم وجهة نظر مخالفة. ولكنني أريد أن أوضّح هنا ماذا أعتقد. إن رؤيتي متوافقة تماماً مع القرآن ومتعارضة تماماً عما ورد في الأناجيل حيث يشار إلى ثبات الأنواع بصورة واضحة وفقاً لما كان سائداً من آراء في العصور التي عاش فيها مؤلفو الأناجيل.
سؤال: هذا التطوّر الذي شرحتموه للتو يمثّل مشكلة بالنسبة للمؤمنين الذين يعتقدون أن آدم كان أول البشر على ظهر الأرض وقد خلقه الله وخلق حواء من آدم. لو كانت عملية التطوّر تلك حقيقة علمية فمن كان إذن في رأيكم أول إنسان ظهر على كوكب الأرض؟
دكتور بوكاي: إن آدم ما هو إلّا رمز…ومن الممكن طرح أيّ اسم آخر. لقد ذكر اسم آدم في القرآن وهو يعني الإنسان الأول. كان من الضروريّ وصف البداية في القرآن. وبالنسبة لي ليست هناك أدنى مشكلة في ذلك.
مدير الجلسة: يجب أن أقدم الآن الدكتور أحمد صقر وهو عالم في كيمياء التغذية الحيوية، ورائد في العمل الإسلاميّ في هذا البلد، وعلاوة على هذا هو أحد مؤسسي اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وهي المنظّمة التي تطوّرت فيما بعد لتصبح الجمعية الإسلاميّة بأمريكا الشمالية Islamic Society of North America. ويقوم الدكتور صقر بالمشاركة في كثير من الأنشطة الإسلامية في الوقت الذي يدير فيه الفرع الرئيس لرابطة العالم الإسلاميّ Islamic World League في نيويورك، رجاء دكتور أحمد تفضل بطرح أسئلتك على الدكتور موريس.
دكتور أحمد صقر: ذكرت في الفصل الأخير من كتابك “أصل الإنسان” شيئاً عن التطابق بين الدين والعلم. حبذا لو تمكنت من التعليق على هذه النقطة ولو بقليل من الإسهاب لأنني أعتقد أن هذا سيكون مفيداً لنا بكل تأكيد. هل عنيت بقولك هذا جميع الأديان أم الدين الإسلاميّ على وجه الخصوص؟
دكتور بوكاي: جميع الأديان. ولكن فيما يتعلّق بالعهد القديم علينا أن نتذكّر دوما حقيقة أن الأناجيل قد كتبها بشر وأن جميع الوصايا الدينية قد أوحيت إلى مؤلفي الأناجيل. هذا ما يؤمن به كل مفسّر في المجتمعات المسيحية واليهودية. وإذا أخذنا في الاعتبار المعلومات الواردة في الأناجيل، مما لا يعتبر تعاليم دينية، فالحقيقة هي أن هؤلاء المؤلّفين قد كتبوها وفقا لما هو شائع من أساطير وخرافات كانت سائدة في أزمانهم. وفي أميركا قرأت عدداً من الكتب لمؤلفين مسيحيين، وقد أذهلني ما توصّلوا إليه فيما يتعلّق بما ذكرته للتو ومنها كتاب بحوزتي الآن لستيفن بيتر ستونر وروبرت نيومان عنوانه “عندما يتحدث العلم” Science Speaks ويتناول نصاً فلكياً ورد في العهد القديم في سفر التكوين. ومن يطالع الكتاب سيدرك أنه إذا كان هذا النص المتصل بعلم الفلك من تأليف بشر عرضوا ما كان شائعاً في عصورهم فينبغي أن نتوقع وفرة من الأخطاء. ولعله من الصحيح أن نفترض أن مؤلفيّ الكتاب ليست لديهما أدنى فكرة عن أصل الأناجيل. ولكن الأمر مختلف تماماً في فرنسا حيث يقبل مفسّرو الكتاب المقدس المعاصرون، وبشكل كامل، حقيقة المصدر البشريّ للأناجيل. ولعله يمكنني هنا الاستشهاد بفقرة من مقدمة ترجمة للعهد القديم إلى الفرنسية نشرت في عام 1955 في باريس. وشارك في إنجاز الترجمة ما يزيد عن مائة كاهن بروتستانتي وكاثوليكي وهي أكثر ترجمات العهد القديم استخداماً في أوساط القساوسة وآباء الكنيسة البروتستانتية في فرنسا. تقول الفقرة الواردة في مقدمة الترجمة “في أيامهم كان من المعترف به بين الناس أن مؤلّفي الأناجيل هم المتحدثون الرسميون باسم الله وأن قسماً كبيراً من مؤلّفاتهم كان متأثّراً بموروثات مجتمعاتهم. وقبل الصياغة النهائية لهذه الكتب تم تمريرها بين قرّاء من المؤمنين خلال فترة زمنية محددة. إن الأناجيل تحمل اليوم بصمات تعليقات هؤلاء القرّاء القدامى في شكل تغييرات وتبديلات وإشارات ومُضمّنات وفي بعض المواضع إعادة صياغة كاملة لمقاطع ذات أهمية كبيرة. بل إن أحدث طبعات الأناجيل تدخل على متونها أحياناً تفسيرات جديدة وتظهر نصوصها تحديثات لطبعات قديمة”. وقد قمت في كتابي “أصل الإنسان” (1981) بتلخيص ما عرضته بإسهاب في “الإنجيل والقرآن والعلم” (1976) حول الأصل البشريّ للأناجيل. وقد لقي الكتابان اهتماماً واضحاً من السلطات الكنسية الفرنسية من خلال مكتب “الكتاب المسيحي” في باريس. وفي قائمة مهام هذا المكتب عرض تحليلات وتعقيبات في نشرته الشهرية على الكتب المنشورة في الشهر السابق بهدف تقريظ بعض الكتابات والتوصية بقراءتها لجمهور المسيحيين لتعزيز قوة الإيمان لديهم. عن كتاب “أصل الإنسان” جاء في النشرة ما يلي…وأمامي نص التعليق الفرنسيّ: “يتميّز الكتاب بأنه يظهر غياب التعارض بين الإنجيل والعلم والقرآن (وفي حالة الإنجيل هناك بعض المحاذير – هذا ما كتبوه) ولعل الجزء المكتوب عن القرآن هو الأنسب لهؤلاء الذين لا يمتلكون أية معرفة بالقرآن”. هكذا دعت الكنيسة المسيحيين؛ أنه في حال عدم توافر المعرفة الكافية لديهم بالقرآن يمكنهم قراءة كتاب الدكتور بوكاي الذي أذكر فيه أن القرآن كلام الله. وأضافت النشرة قائلة للفرنسيين إن كتاب الدكتور بوكاي يجب أن يستخدم كأداة للدراسة الجماعية في الفصول الأولى من سفر “التكوين”. كما أوصت النشرة المسيحيين بفحص انتقاداتي الموجهة إلى العهد القديم المتعلّقة بأصل الإنسان في الوقت الذي أكد فيه المكتب على قراءة كتابي لمن ليست لديه معرفة بالقرآن. هكذا أكون قد أجبت السؤال الخاص برد الفعل الفرنسيّ على صدور كتابيّ.
سؤال: أعتقد أنك قمت بالفصل، في حالة الأناجيل والعهد القديم، بين التعاليم الدينية وهي جيدة وبين المعلومات العلمية التي ثبت تناقضها مع العلم.
دكتور بوكاي: فيما يتعلّق بالعلم فإن المعطيات التي أثبتتها العلوم الجديدة نسبياً كعلم الأحياء الدقيقة وعلم الجينات قد أثارت اهتماماً واضحاً. وأعرف شخصياً عدداً من العلماء الفرنسيين ممن تركت فيهم الاكتشافات الجديدة أبلغ الأثر مما أدى إلى تحوّلهم إلى الإيمان بالله. أعرف عدداً من الأشخاص الذين كانوا ماديين من قبل وقد أتوا إليّ الآن قائلين بأنهم لم يجدوا مناصاً من الإيمان بالله بما توافر لديهم من أدلة وبراهين متعلّقة بتنظيم الحياة وتنظيم الجزيئات الدقيقة الخاصة بالشفرة الوراثية – الجينوم Genome وما شابه ذلك.
سؤال: هل تود إضافة جملة أو اثنتين عن العلم والقرآن لكي يتضح تماماً أننا بينما تناولنا الأديان الأخرى، تحدثنا كذلك عن الإسلام وعلى وجه التحديد القرآن والعلم. أعرف أنك خصصت كتاباً كاملاً لهذا الموضوع.
دكتور بوكاي: بالطبع، غير أن الوقت لا يسعفني لحصر الموضوع في دقائق معدودة. ولكنني أود إخباركم عن أبلغ ما ترك في نفسي من أثر أثناء قراءاتي الأولى للقرآن. إن كوني طبيباً كانت له علاقة فورية مع الآيات الواردة في القرآن الكريم المتعلّقة بالفسيولوجي (علم وظائف الأعضاء) وبالتناسل البشريّ. في عام 1976 في محاضرة ألقيتها في أكاديمية الطب الوطنية الفرنسية في باريس أتيت على ذكر كلمة “قرآن” للمرة الأولى في تاريخ هذه الأكاديمية. ألقيت محاضرة عنوانها “معطيات فسيولوجية وجنينية في القرآن”. وأستطيع هنا أن أخبركم عن حجم التأثّر لدى أعضاء الأكاديمية الذي بلغ حد الذهول! لم يعارض أحد أيا من المعلومات التي ذكرتها. سألتهم إن كان يمكنهم تخيّل، في ضوء ما نعلم عن تاريخ العلوم، أن رجلاً عاش منذ قرابة أربعة عشر قرناً استطاع تأليف هذه المعطيات. لم ينطق أحد لأنهم كانوا مأخوذين تماماً بما سمعوه. وكان السؤال الوحيد الذي طرحه عضو بعد المحاضرة ما يلي:
“هل أنت واثق من أن النصّ الحاليّ للقرآن هو نفسه النصّ القديم؟” أجبته “اذهب إلى المكتبة الوطنية الفرنسية وستجد فيها نسخة من القرآن يعود تاريخها إلى القرن الثامن للميلاد، ثم قم بالمقارنة بين النصّ القديم والنصّ المنشور في عصرنا وستجد أن التطابق كامل بينهما”.
كان هذا سؤالاً وليس اعتراضاً. وأنا واثق اليوم من أن هذه المحاضرة لم تنسى.
مدير الجلسة: قبل توجيه السؤال التالي أود أن أسألك عن أصل الإنسان. فمن جانب نقرأ في الآية 14 من سورة الرحمن:
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ {55/14}
والصلصال هو الطين كما نعرف ووفق ما تتفق عليه الترجمات. وفي جانب آخر وموضع آخر نقرأ في جزء من الآية 7 من سورة السجدة:
…وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ {32/7}
وفي موضع ثالث في جزء من الآية 11 من سورة الصافّات:
…إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ {37/11}
وفي جزء من الآية 67 من سورة غافر:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ…
وتجتمع معاني تلك الكلمات حول التراب والتربة…وفي موضع آخر نقرأ في جزء من الآية 54 من سورة الفرقان:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا…
ثم نقرأ في جزء من الآية 32 من سورة النجم:
…إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ…
تبدو هذه المسمّيات مختلفة في الظاهر. فأيّ منها هو الصحيح أم أنها جميعاً صحيحة في الوقت عينه؟
دكتور بوكاي: أعتقد أن هذا كله نجد تفسيره في آيات أخرى من القرآن تتناول مكوّنات الجسم البشريّ المركّبة من عناصر هي في الأساس جزيئات طبيعية من ذرّات يحتويها التراب. ومع تركيب معيّن تبعاً لإرادة الله فقد خلق الإنسان كما نعرفه. إنني أتأمّل كلمة “ركَّبَكَ” في الآيتين 7 و8 من سورة الانفطار:
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {82/7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {82/8}
والتي تعني أن الإنسان مخلوق من جماع مكوّنات كالتراب والماء والأرض وما إلى ذلك، وهي في الأساس عناصر طبيعية مع بعض التركيب الخاص. ثم هناك الآية 4 من سورة التين:
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {95/4}
وهي آية ذات أهمية بالغة، وقد قمت بترجمتها كما يلي:
“لقد صغنا – صممّنا الإنسان وفقاً لأحسن خطة تنظيمية” والكلمة العربية تَقْوِيمٍ الواردة في نصّ هذه الآية تعني تخطيط شيء ما وفق خطة منظّمة.
المصدر الرباعي “تقويم” والفعل “يقوّم” والماضي “قوّم” أي عدّل وشكّل.
سؤال: فلنعد إلى الكلمات الأصلية وهي التراب والطين ثم كلمة ماء. فلو نظرت إلى الماء لقلت؛ هذا صحيح، بالنظر إلى احتواء الجسم البشريّ على 70% من مكوّناته من الماء. ولكن لماذا قلت تراب وطين؟ إن حضورهما غير واضح في تكوين الجسم البشريّ.
دكتور بوكاي: الماء هو أهم مكوّن من مكوّنات الجسم البشريّ. ولكني أوصيك بالعودة إلى قراءة ما أوردته في كتابي عن هذا الموضوع.
دكتور صقر: (معلّقاً على السؤال) حتى لو قمت بخلط تلك المكوّنات بالماء فسنطلق عليه اسم محلول مائيّ أو محلول، وستظلّ المكونات جزءًا من تركيبة هذا المحلول. حتى خلق الإنسان يبدأ مما نعرفه بالحيوانات المنوية المتضمّنة في شكل سائل أيضاً.
سؤال: لدي سؤال نقديّ حول هذه النقطة. يذهب البعض إلى أن القرآن يستخدم كلمات مختلفة تعبّر عن معنى واحد في مواضع مختلفة. كيف يمكن جمعها معاً؟
دكتور صقر: هنا يتضح جمال اللغة العربية، ومن لا يعرف اللغة العربية سيشعر بشيء من الحيرة عند قراءة ترجمة معاني القرآن الكريم. وهي ترجمات لا يمكن بحال أن تفسّر المعاني الصحيحة كما هي في النصّ العربيّ. إن هذه الكلمات متعدّدة وليست مختلفة. إنها ترد في القرآن في مواضع متعدّدة لتكتمل معانيها وهي تشرح مكوّنات الكائن الإنسانيّ.
دكتور بوكاي: أعتقد أن هذه فكرة عامة مهمة بالنسبة لي. وهذا يعني أننا خلقنا من ذرّات مكوّنات طبيعية وأنا واثق من صدق فهمي للمعاني العميقة لكلمات القرآن التي تحدّد خلقنا وفق خطة تنظيمية خاصة، وأننا خلقنا من مكوّنات من تراب وأننا سنبعث يوماً من التراب ويعاد تركيبنا للحياة الآخرة. وبالنسبة لي لا توجد أية مشكلة على الإطلاق في إدراكي هذا. إن ما يجب اعتباره هنا هو الفكرة العامة. ولن يعدّل هذا من استنتاجاتي التي نشرتها في كتبي وأنا واثق من أنكم تشاركونني إياها.
مدير الجلسة: أقدم لكم الآن الدكتور سمير حسن وهو طبيب نفسيّ، وناشط إسلاميّ في منطقة شيكاغو.
دكتور سمير حسن: هناك آيات في القرآن الكريم تجعلني أتمسّك بما نناقشه اليوم حول التطوّر الإنسانيّ وهما الآيتان 7 و8 من سورة السجدة:
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ {32/7} ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ {32/8}
دكتور بوكاي: السلالة هي المادة الجوهرية، ليس لدي ما أضيفه على ذلك.
دكتور حسن: ثم نقرأ في جزء من الآية 20 من سورة العنكبوت:
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ…
أعتقد أن كلمة “خَلْقَ” هنا، بحسب ما أفهمه، تعني خلق المخلوقات.
دكتور بوكاي: هل تعني هنا الفعل “خَلَقَ”؟
دكتور حسن: نعم.
دكتور بوكاي: تأثرت كثيراً بالمعنى الأولي لكلمة “خَلَقَ” حيث تعلمنا في المدرسة أن معناها “شكّل”. والمعنى الأصليّ للكلمة مرادف للتشكيل، أما المعاني الاشتقاقية فقد وردت في القرآن لأن الله هو الذي خلقنا، وهو أهل للخلق. وأعتقد أنه في معظم الحالات، وبغرض تيسير فهم النصّ القرآنيّ، يتعيّن علينا أن نتذكّر دوماً ما تعنيه المعاني الأولية للكلمة. خَلَقَ تعني شكّل وغالباً ما ترجمتها بهذا المعنى في كتبي. وكلمة “يخلُقُ” في معناها الاشتقاقيّ فعل منسوب إلى الله. هذه إجابتي.
الدكتور حسن: بالنسبة لي، عندما أقرأ هذه الآية، أراها مرتبطة بنوع من العمليات التطوّرية:
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ…
دكتور صقر: لو سمحتم لي بتعليق على كلمتي بَدَأَ الْخَلْقَ الواردتين في الآية. أعتقد أن الكلمتين لا تشيران بالضرورة إلى حدوث عملية تطوّر في الخلق، بل إلى الكيفية التي خلق الله بها العالم كله. بوسعنا أن نشير إلى ذلك، ولكن لننظر إلى الآيات القرآنية في مجملها وسوف نصل في النهاية إلى النتيجة ذاتها وهي أنه لم تحدث عملية تطوّر. لا شيء تم إخضاعه لعملية تطوّر أثناء خلق العالم. ولذا علينا أن نشكر الله الذي خلق العالم بكليته. هذه هي ملاحظتي المتواضعة. وأنا سعيد باستخدامك كلمة “شكّل” في شرح الخلق. “شكّل” كلمة جميلة وقد شكّلنا الله وهو يخلقنا.
دكتور بوكاي: لقد أتيح لي أن أناقش المعاني الأولية الدقيقة لمعنى كلمة “خَلَقَ” مع بروفيسور متخصص في اللغة العربية.
دكتور صقر: إذا أراد قارئ للقرآن الإشارة إلى فكرة أن الإنسان قد خلق من سلالة أخرى، فقد ذهب بعض مفسّري القرآن إلى أن الآية 30 من سورة البقرة:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قال إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {2/30}
توحي بأنه قد تكون هناك مخلوقات بشرية أخرى عاشت قبل خلق آدم. غير أن آدم المذكور في القرآن هو جدنا الأعظم الذي انحدرنا من سلالته. من عساها تكون إذن تلك الكائنات البشرية التي سبقت خلق آدم؟ الله أعلم. فلم يخبرنا الله عنها.
سؤال: تحدثت عن عثورك على أدلة معاصرة متعلّقة بفرعون الخروج. هلاّ تفضلّت، إذا كان ممكناً، بمشاركتنا هذه المعلومات؟
دكتور بوكاي: لو تفضلّتم بمنحي ساعة لعرض الشرائح التي أحملها…إن هذا قد يتطلّب وقتاً طويلاً!
مدير الجلسة: لدى الدكتور بوكاي 77 شريحة وسيحتاج إلى مدة قدرها 55 دقيقة لعرضها. لا أعتقد أن هذا ممكن في هذه الجلسة.
دكتور بوكاي: فيما يتعلّق بالسؤال دعوني أخبركم عن معلومات لم أنشرها في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم”.
سؤال: هل هناك أية اكتشافات علمية جديدة متعلّقة بفرعون بعد إصدار الكتاب؟
دكتور بوكاي: من المؤكّد أن هناك عدداً من الاكتشافات الجديدة التي أُعلن عنها في الأعوام التي تلت نشر الكتاب. فعلى سبيل المثال لم أورد في كتابي حقيقة أن اسم “هامان” مذكور في القرآن ست مرات. وربما تتذكرون أنه حينما طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحاً حتى يطلّع إلى إله موسى، قمت بزيارة اختصاصي فرنسيّ في اللغة الهيروغليفية في باريس وأخبرته أنني اطلعت على نص ورد في القرن السابع للميلاد. ولأن معرفة هذا العالم باللغة العربية جيدة فقد كتبت كلمة “هامان” أمامه فقال لي: “من المستحيل أن تكون كلمة “هامان” عربية، لأن هامان اسم من الهيروغليفية”. ومبعث الاستحالة في تعليقه أن اللغة الهيروغليفية كانت، بين القرنين الثالث والتاسع عشر للميلاد، مجهولة تماماً. قلت له: “نعم مستحيل. ولكنك سترى حتماً رأياً آخر حين أطلعك على ذلك النص العربيّ”. وعندما تساءل عن ماهية النص طلبت منه أن يخبرني أولاً عن معنى كلمة “هامان” في الهيروغليفية. أجاب “بأن الكلمة اسم عائلة في الأسر الفرعونية الحديثة (2)، ولو قصدت مكتبة كوليج دي فرانس College de France فستجد فيها المعجم الشهير للأسماء الهيروغليفية للألمانيّ رانكه Ranke. وفي الفصل الخاص بالأسماء في الأسر الحديثة قد تعثر على هذا الاسم” وأضاف قائلاً: “إنه لا يذكر بالتحديد وظيفة هامان ولكنك ستجدها حتماً في ذلك المعجم”. وهكذا توجهت إلى مكتبة الكوليج دي فرانس ووجدت تحت اسم هامان ما يلي: “هامان – مدير المحاجر الفرعونية…رئيس العمال…البنّاء بالأحجار” لأن البناء كان آنذاك بالأحجار وليس بالأخشاب. وهكذا عثرت في معجم الأسماء الهيروغليفية على اسم هامان الذي طلب منه الفرعون أن يبني له صرحاً. بعد أن دوّنت معنى كلمة هامان عدت إلى ذلك المتخصص في اللغة الهيروغليفية حاملاً نسخة من القرآن بالعربية…أريته واحدة من الآيات الست التي تذكر هامان فأصيب الرجل بذهول لم يستطع معه للحظات أن ينطق. أخبرته أنه مثلما حفظ الإنجيل اسم رمسيس، حفظ القرآن اسم هامان. كان مأخوذاً تماماً. بعد قليل اقترح عليّ فكرة أن نتشارك في تأليف كتاب عن هذا الموضوع…غير أن المنية وافته بعد ستة أشهر. لدينا هنا معلومة عن فرعون موسى وهي معلومة مثيرة للدهشة لصحتها من منظور البحث العلمي اللغوي الحديث واللغة الهيروغليفية.
أما فيما يتعلّق باسم رمسيس الوارد في الكتاب المقدس فلدي ما أخبركم به. فقد قرأت الاسم باليونانية في أقدم نسخ الإنجيل كما قرأته في أقدم ترجمات الإنجيل إلى اللاتينية والفرنسية. لقد احتفظ الإنجيل باسم رمسيس وأشعر حقاً بالامتنان للإنجيل الذي ساعدني على كتابة الفصل الخاص بالخروج في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم” بما احتوى من تفاصيل تتعلّق بتحديد موقع ولادة موسى عليه السلام تحت حكم رمسيس الثاني ثم خروجه وبني إسرائيل تحت حكم خلفه. إن الإشارة إلى رمسيس تكتسب أهمية بالغة. وخلال محاضرة الغد أنوي تكرار كل ذلك مع الشرح على اللوحة باللاتينية والإغريقية والإنجليزية لاسم هامان الذي حفظه القرآن، ثم لاسم رمسيس الذي حفظه الإنجيل مبيناً أهمية هذا الحفظ في مسار البحث التاريخيّ.
سؤال: هناك هذا المفهوم للنشأة الأولى القائم على أن خلق آدم عليه السلام قد تم بتشكيله من الطين ثم نفخ الروح فيه. هذا ما يتحدث عنه الناس. والسؤال هو من أين جاء هذا المفهوم؟
دكتور بوكاي: لا يمكنني التعليق حقيقة بسبب أن هذه المناقشة حول آدم وطين آدم ليست بذات أهمية في تقديري. أنا آسف لهذه الإجابة عن سؤالك. بالنسبة لي فإن آدم هو رمز. فقد خلقنا الله من مركبات من التربة. من الممكن أن نستفيض في هذا النقاش ولكنه ليس بذي أهمية كبيرة بالنسبة لي.
سؤال: أعمار الناس في الأزمان الغابرة بالغة الطول وفق ما ذكر في الإنجيل والقرآن؛ يذكر الإنجيل أن آدم عاش 1000 سنة بينما يرد في القرآن أن نوحاً عليه السلام قد عاش 950 سنة. هل هناك من تفسير علميّ لهذا؟
دكتور بوكاي: يمكن بسهولة تحديد التاريخ المتعلّق بخلق الإنسان في التقويم المسيحيّ واليهوديّ وهو أمر لا أفهمه. فوفقاً لما هو وارد في الإنجيل فقد ظهر الإنسان الأول على سطح الأرض منذ 57 أو 58 قرناً. أما القرآن فلا يورد أي إشارة أو تحديد تاريخيّ لظهور الإنسان الأول.
سؤال: عفواً…كان سؤالي عن أعمار الناس في الأزمنة القديمة لأن القرآن يذكر أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه 950 عاماً.
دكتور بوكاي: هل يمكنك التفريق بين سنة Sanah وعام Aam؟ لم يتمكن أيّ شخص سألته من أن يوضّح لي الفارق بينهما. لقد مكث نوح في قومه. لا يعني هذا أن تلك هي الفترة التي عاشها. لقد كتب مفسّرو القرآن، مثلما كتب مفسّرو الإنجيل، مثل ذلك، لقد مكث في أهله طوال هذه الفترة، ولكن ماذا تعني كلمة ألف سنة، ربما كانت دالّة على فترة بالغة الطول وربما لم تكن سوى كلمة رمزية. ولكن ما هو الفارق فيما بين سنة وعام؟ لا أحد يمكنه تقديم إجابة. لقد كتبت مقالاً حول ذلك نشر في تونس قلت فيها إنني لا أفهم وسأكون ممتنّا لو قدم لي أيّ منكم إجابة عن ذلك.
دكتور صقر: لا يمكنهم الإجابة لأنهم يعتبرون الكلمتين حاملتين للمعنى نفسه.
دكتور بوكاي: لا يوجد في القرآن شيء واحد يحمل اسمين مختلفين.
دكتور صقر: ولكن افترض أنهما كلمتان تحملان المعنى نفسه؟
دكتور بوكاي: قد تفترض أنت ولكني لا أفترض. أرفض الافتراض، وأفضل أن أقول لا أعلم أو لا أفهم.
سؤال: دكتور بوكاي…لو كان تحديد التاريخ هنا يعني وقتاً طويلاً فلماذا خصّص القرآن إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا في الآية 14 من سورة العنكبوت:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ {29/14}
وقد قلت إن ألف سنة تعني وقتاً طويلاً…ولكن القرآن يحدد أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا.
دكتور بوكاي: هذا يعني أنه لم يمكث في قومه خلال الخمسين عاماً تلك.
دكتور صقر: إن نوحاً عليه السلام لم يُكلّف بالنبوة إلّا حين بلغ الخمسين من عمره.
دكتور بوكاي: ولكنك لست واثقاً من ذلك.
دكتور صقر: نعم. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار المعاني الأدبية…
دكتور بوكاي: نعم. فلم يلبث نوح عليه السلام في قومه خلال الخمسين عاماً تلك. هذه حقيقة وأعتقد أن الجميع يتفق معي في ذلك. ليس عندي ما أضيفه على ذلك.
دكتور صقر: لو كنت أفهم سؤال الزميل جيداً أعتقد أنه يريد تعليلاً لم كان الناس في العصور القديمة يعيشون طويلاً.
دكتور بوكاي: لم يأت القرآن على ذكر ذلك. إنها مسألة رمزية في تقديري.
دكتور صقر: الشيء الوحيد الذي نعرفه هو حديث للنبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم يقول فيه إن أعمار الأمّة تتراوح بين 50 إلى 60 عاماً والقليل منهم سيعيش لمدة أطول. هذا هو ما نعرفه ولا يمكننا التعليق على ذلك.
دكتور بوكاي: بالتأكيد. وإلّا سيكون تعليقاً مسهباً.
مدير الجلسة: دكتور زاهد علي طبيب يمتهن علم الأمراض Pathology وقد اعتنق الإسلام منذ سبعة أو ثمانية أعوام، ومنذ ذلك الحين أصبح ناشطاً إسلامياً فعّالاً في منطقة شيكاغو.
دكتور زاهد علي: دكتور بوكاي…لديّ عدة أسئلة ولكن دعني أنقل إليك ما يطرحه من ألتقي بهم والمترددون علىّ من تساؤلات وهي في مجموعها تلخّص محتوى أسئلتي التي تعني غير المسلمين الذي قد يستمعون يوماً إلى هذا التسجيل، ومن المحتمل أنهم لم يقرؤوا كتابك. لقد ذكرت آنفاً أثناء الجلسة أن ما أثار اهتمامك وترك أبلغ الأثر فيك كطبيب، خلال دراستك التحليلية للقرآن، كان ما لفت نظرك من إشارات إلى علم وظائف الأعضاء Physiology وعلم الأجنّة والتناسل الإنساني Human Reproduction Embryology & في آيات من القرآن. هل هناك أمثلة أخرى مشوّقة ومثيرة يمكن أن تلخّصها لنا من أجل جذب انتباه غير المسلمين؟
دكتور بوكاي: لقد كتبت عن هذا كله في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم” وهو حافل بكثير من الأمثلة كما يحتوي على فصول عدة. ويعتبر الفصل الذي أتناول فيه موضوع الخلق من أكثر الفصول أهمية بسبب احتوائه على أشياء شديدة التأثير. وقد خصّصت فصلاً مهماً لعلم الفلك. ثم فصل مهم للغاية مخصّص لجيولوجيا الأرض وعرض ما أورده القرآن فيما يتعلّق بتثبيت الجبال كأوتاد. فأطراف الجبال السفلية يعبّر القرآن عنها بكلمة “أوتاد”. وهناك فصل آخر عن مملكة الحيوان والنبات. ويمكن العثور في الكتاب على استنتاجات بالغة التأثير متعلّقة بالتناسل البشريّ أيضاً.
دكتور زاهد علي: لعل السبب وراء طرحي لهذا السؤال هو أن السبيل الناجح للتأثير في غير المسلمين هو عرض شهادات باحثين متعمقين في القرآن، مثلك تماماً، حيث إنك مرجع دوليّ في هذا النوع من الموضوعات. فما الذي ترك فيك أبلغ الأثر كطبيب على وجه الخصوص في القرآن؟
دكتور بوكاي: كما قلت آنفاً…كانت الإشارات المتعلّقة بعلم وظائف الأعضاء هي ما اجتذبني وأثار اهتمامي كله. انظر إلى ذكر مكوّنات اللبن. إن الكلمات العربية الواردة في القرآن مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ تعلن عن الحقيقة العلمية المتعلّقة بالامتصاص الهضميّ Digestive Absorption.
ترد الكلمات في الآية 66 من سورة النحل:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ {16/66}
دكتور زاهد علي: هل يمكنك أن تتبحّر ولو قليلاً في الإشارات العلمية المتعلّقة بعلم الفسيولوجي والتي تركت تأثيرها العميق فيك كما ذكرت؟
دكتور بوكاي: سوف يتطلب ذلك وقتاً طويلاً، وقد كتبت عن هذا كله في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم” ويمكنك الرجوع إليه.
دكتور زاهد علي: أتفهم المدى الزمنيّ المحدود لهذه الجلسة، ولكن سؤالي التالي لك هو أنه باعتبارك عالماً بارزاً تأثّر أبلغ الأثر بالقرآن والنصوص المتصلة به، كيف يمكنك إثارة اهتمام زملائك من غير المسلمين بهذا النوع من الدراسات؟ كيف تقدم لهم موضوعات كهذه وكيف تحثّهم على تأمّل بعض ما توصلت إليه بوجه خاص؟
دكتور بوكاي: إن كانوا أطباء أتحدث معهم عن الإشارات العلمية المتعلّقة بعلم وظائف الأعضاء والتناسل البشريّ، وإن كانوا علماء فلك فالحديث عن الفلك، ولو كنت أحادث اختصاصيين في علم النبات فلديّ ما أطرحه عليهم متعلّقاً باختصاصهم لأنه يلزم أن تكون حساساً تجاه ما تعرفه جيداً من منظور علميّ.
دكتور زاهد علي: بم تنصح شخصاً غير مسلم أو شخصاً مهتماً بإجراء دراسة تحليلية معمّقة في القرآن؟
دكتور بوكاي: أن يبدأ في تعلّم اللغة العربية، فبدون إتقانها لن يتيسر له فعل أيّ شيء. لذا بدأت دراسة العربية، كما أخبرتكم، حين بلغت الخمسين من عمري.
سؤال: هل يتعين على الراغب في دراسة اللغة العربية أن يخالط الناطقين بالعربية أو أن يستقرّ في دولة عربية كي يتعلم العربية، وهل يمكنه إتقانها دون ممارسة الحديث بها؟
دكتور بوكاي: لقد درست اللغة العربية في باريس ولم أعش مطلقاً في أيّ بلد عربيّ. وأنا واثق من أن لديكم هنا في الولايات المتحدة الأمريكية مدرسين جيدين في اللغة العربية.
مدير الجلسة: دكتور مظهر حسيني اختصاصيّ في علم كيمياء التغذية ومؤلف كتاب حول المنهج الإسلاميّ في التغذية.
دكتور مظهر حسيني: دكتور بوكاي، بينما كنت أقوم بقراءة كتابك ومع تلك الفرصة التي منحني الله إياها بمرافقتك ولو لفترة قصيرة، توصّلت إلى خلاصة مفادها، ورجائي أن تصحّح معلوماتي إن كنت مخطئاً، أن رسالة كتابك الأساسية هي أنه ينبغي أن يتلاشى التناقض بين العلم والدين. سؤالي هو إلى أيّ درجة تشعر بأنك قد أحرزت نجاحاً في توصيل رسالتك؟
دكتور بوكاي: درجة نجاحي يسجّلها كل عام ناشر كتبي من خلال رصده أعداد الكتب التي تطبع وتباع وتترجم في كثير من بلدان العالم.
دكتور مظهر حسيني: كلا…ليس ذلك…أنا أعني السؤال عن درجة تراجع الشعور بالتنافر بين العلم والكتب المقدسة. أستطيع أن أفهم تماماً أنك قد أوضحت وجهة نظرك جيداً فيما يتعلّق بالقرآن والعلم. ولكن ماذا عن الكتب المقدسة الأخرى، هل قلّ أو زاد الشعور بذلك التناقض؟
دكتور بوكاي: أعلم أن هناك كثيراً من القرّاء ممن تأثّروا إلى أبعد الحدود بما كتبت، وربما استطعت أنت تلمّس نتائج هذا التأثّير بعد عقود عدة بالنظر إلى حداثة سنّك. ربما سأكون حينها في عداد الموتى، ولكنك قد ترى في المستقبل علماء عديدين يقبلون البحث عن توافقيات بين العلم والدين. أما أنا فقد بذلت كل ما في وسعي لكي أخبر قرّائي بما اكتشفته فيما يتعلّق بالقرآن والإنجيل والعلم. وبوسعي القول الآن إنني عجزت عن العثور على آية واحدة مناقضة للعلم في القرآن. أما بالنسبة للإنجيل فقد اتبعت في فحصه نفس المنهج الذي طبقته على القرآن، ووجدت فيه تناقضات جمّة مع العلم.
سؤال: في جزء من الآية 44 من سورة الأنبياء نقرأ ما يلي:
…أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ {21/44}
ما تفسيرك؟
دكتور بوكاي: قرأت لبعض العلماء والكتّاب ما يفيد تناقص الأرض اعتماداً على هذه الآية. ولكني أقول إن هذا غير صحيح.
سؤال: ما هو تفسيرك؟
دكتور بوكاي: لم يحدث أيّ شيء يمكنني الحديث عنه. فتصوراتهم لا علاقة لها بالعلم. فنحن نعلم تماماً أن الأرض كروية فيما عدا عند القطبين فهناك تناقص بمقدار 1 ملليمتر في المتر الواحد و20 ملليمتراً في القطر. لقد ذهب أحدهم إلى القول بأن القرآن قد أعلن ذلك. هذا غير صحيح.
سؤال: لقد فسّر البعض هذه الآية على أن الأرض في تناقص نتيجة ثورة الاتصالات التي تقرّب بين أركانها، هل هذا صحيح؟
دكتور بوكاي: كلّا! انتبه…لقد جمعت ما يكفي من آيات القرآن الدالّة على أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من تأليف بشر. كما أنني لم أعثر في القرآن على آية واحدة تناقض العلم الحديث. هذا يكفي إنجازاً بالنسبة لي. وقد أشرت في كتبي إلى تكهنات بشرية قام بها آخرون تحتوي على قدر كبير من الخطورة في اعتساف الاستنتاجات.
سؤال: كيف كان رد فعل مجتمع العلماء الفرنسيّ تجاه اكتشافاتك؟
دكتور بوكاي: أخبرتكم عن ذلك آنفاً ولكنّي واثق من أن المجتمع العلميّ يعرفني حق المعرفة وأعلم أن هناك علماء كثيرين أخذوا استنتاجاتي في اعتبارهم.
سؤال: هل تعتقد أن المزيد من العلماء الفرنسيين سيزداد قرباً من القرآن بمضيّ الزمن؟
دكتور بوكاي: لا يمكنني التنبؤ بذلك ولا أملك إحصائيات بالمرة.
دكتور صقر: ولكنك يمكن أن تنقل لنا الإحساس من واقع تجاربك المباشرة في المحاضرات التي تدعى لإلقائها ليس في فرنسا فحسب ولكن في بقاع مختلفة من العالم.
دكتور بوكاي: أستطيع القول بأن أناساً كثيرين قد بدأوا التفكّر في هذا الموضوع. وبعضهم متأثر حقاً بسبب ما طرحته.
مدير الجلسة: السيد جمال مهندس مدنيّ وهو ناشط إسلاميّ أيضاً في منطقة شيكاغو.
السيد جمال: ليس لديّ سؤال ولكنني أود تقديم إجابة عن سؤالكم حول الفارق بين العام والسنة. يذكر القرآن الكريم أنه حينما فسّر النبيّ يوسف عليه السلام رؤيا ملك مصر قائلا في الآيات 47 – 48 – 49 من سورة يوسف:
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ {12/47} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ {12/48} ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ {12/49}
ومرة أخرى في الآية 130 من سورة الأعراف:
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ {7/130}
ولقد قرأت في موضع ما تفسيراً لتلك الآيات يفيد بأن السنة تذكر في موضع العسر أما العام فيذكر في موضع اليسر، ومن هنا يقول القرآن: ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ {12/49} ولم يقل “سنة” فيها يغاث الناس وفيها يعصرون”، أترون ما أحاول قوله؟
دكتور بوكاي: أرى تماماً ما تحاول قوله…وأود القول بأن الخيال البشريّ خصب إلى أبعد الحدود!
السيد جمال: هكذا علّقت بعض التفاسير، وفي الواقع تفسير قديم منها، على هذا الاختلاف بين السنة والعام.
دكتور بوكاي: غير أنه لم يمكن لأيّ شخص حتى الآن أن يشرح لي معنى هذا الاختلاف مدعوماً بحقائق.
مدير الجلسة: دكتور شمس الدين مشتغل بالكيمياء الحيوية ويتولى في الوقت الحالي مهام نائب رئيس المركز الإسلاميّ في شيكاغو.
الدكتور شمس: إن المعلومات المتصلة بعلم وظائف الأعضاء والتناسل الإنسانيّ والشروح التي أفضت في تضمينها كتبك حول جزيئات الحمض النوويّ الريبي DNA والصبغياتChromosomes والجينات والشفرات الوراثية والتي تركت فيك إشارات القرآن إليها أثراً كبيراً، قد ثبتت صحتها منذ ما يقارب خمسين عاماً. غير أنه مع التطوّر المستمر الذي تعيشه المعرفة العلمية يوماً بعد يوم، فإن المعلومات التي نداولها اليوم قد تصبح قديمة بالية بعد مضيّ خمسين عاماً أخرى.
دكتور بوكاي: ولكنك لن تتمكّن من تغيير حمضك النوويّ الريبيّ DNA ولن تلغي وجود المعلومات الوراثية Genomeالمختزنة في مكوّنات الكائن الحيّ Organism. هذه حقائق وهذا ما يهم في الحاصل النهائيّ. إن ما يمكن أن يحدث بالطبع لظواهر وحقائق علمية كثيرة هو أن يتوافر لها تفسير أدق وأشمل بانتقالها من مرحلة إلى أخرى، ولكن الفكرة الرئيسة تظلّ كما هي. وهكذا فإن حقيقة المعلومات الوراثية المختزنة ستظلّ ثابتة دون أيّ تغيير على الإطلاق.
الدكتور شمس: المعلومات الوراثية لن تتغيّر ولكن التفاسير والمدركات الملازمة لها اليوم قد تتغيّر كلياً. فعلى سبيل المثال فإن أولى المعلومات الوراثية المختزنة لجزيء الهيموغلوبين Haemoglobin Molecule في الكائنات البشرية يرجع تاريخه إلى 50.000 عام من منظور التطوّر. إن جزيئاً واحداً في كائن بشريّ قد استغرق تطوّره نحو 50.000 عام. كما أن تنظيم الجينات الذي تطرّقت إليه يتميّز بجزيئات زائدة من الحمض النوويّ الريبيّ DNA الخليويّ متعلّقة بجزيئات أخرى تدور في فلكها. ولهذا تفسير راسخ يمكن إرجاع تاريخه إلى مائة مليون عام.
دكتور بوكاي: بالطبع. ولكن هل يغيّر هذا شيئاً من استنتاجاتي؟ ربما قام أحد بعد مضيّ عشرة أعوام بتحسين معرفتنا بهذا الموضوع. ولكن خلاصة بحثي ستظلّ كما هي؛ فالجينوم – المعلومات الوراثية المختزنة سوف تظلّ على حالها، إن ما يعنيني الفكرة العامة. لا يمكنني شرح كل النقاط لأن هذا سيستغرق زمناً طويلاً ولكن ربما ظهر شخص في غضون سنوات يطرح أفكاراً جديدة.
دكتور شمس: كيف يمكننا تحديد عمر الكائن الإنسانيّ على الأرض؟
دكتور بوكاي: اسمح لي بأن أعطيك جواباً. لنفترض أن الإنسان الأول قد ظهر على الأرض منذ أربعة ملايين عام أو مليونين من الأعوام كما يتناقش حولها علماء الإحاثة اليوم، لا يهم، فالفكرة العامة هي ما يهم. إذن لنقل إن الإنسان الأول الموهوب بالذكاء قد ظهر على الأرض ما بين مليونين إلى أربعة ملايين عام. المشكلة هي أن علماء الإحاثة لا يمكنهم التوصّل إلى تاريخ محدد لظهور الإنسان على الأرض.
دكتور شمس: ماذا يخبرنا القرآن عن ذلك؟ وأيّ اتجاه يجب أن نسلك للقيام بأبحاث معمّقة حول الكون ومخلوقات الله؟
دكتور بوكاي: لا يمكنني إخبارك شيئاً عن ذلك ولكن ربما أخبرتنا في المستقبل اكتشافات جديدة. ربما أمكن العثور على هيكل عظميّ بشريّ يرجع تاريخ الإنسان الأول إلى خمسة ملايين عام بدلاً من أربعة. إنني لا أعلّق أهمية كبيرة على هذه الأخبار.
دكتور شمس: ما هو شعورك حيال التحويرات في جينات البنية البشرية بينما نحاول نحن تغيير أفكارنا حول إنتاج الجينات صناعياً؟ ماذا يقول القرآن عن ذلك؟
دكتور بوكاي: لم يذكر القرآن شيئاً عن ذلك بالمرة. بل إنه لم يتوافر علماء في ذلك الزمان أبدعت خيالاتهم شيئاً عن ذلك. من بوسعه أن يخبرك شيئاً عن هذا الموضوع؟ الحقيقة هي أن هناك مخزناً للمعلومات الوراثية – الجينية يلزم له أن يخضع لتغيرات وإلّا كان حدوث التطوّر أمراً مستحيلاً. لنتذكر أن ما يهم حقاً في هذا الصدد هو الفكرة العامة. وأعذرني إن كنت لا أستطيع التبحّر هنا لأنني لست مختصاً في علم الجينات. إنني أتناول حقائق تبدو على درجة عالية من الأهمية من منظور الفكرة العامة. هذا هو كل ما هنالك. ولنتذكّر أن هناك خطراً محدقاً حين نستخدم العلم اعتسافاً في تفسير نصّ مقدس بغرض فرض معلومات لم تصل إلى درجة الحقائق العلمية الثابتة. إن هذا خطر عظيم. لقد قرأت لكتّاب يزعمون أن القرآن يشرح نظرية النسبية. قرأت القرآن كثيراً ولم أعثر على شيء من هذا.
دكتور شمس: ولهذا السبب أسألكم بتواضع حتى ترشدونا إلى حيث يجب أن نبحث عن اكتشافات علمية في ضوء القرآن الكريم. أم هل نكتفي بالقول بأن هذا الاكتشاف أو ذاك لا يشكل فارقاً لدينا؟ هل نقول إن الله قد خلق الخلق وإن كل ما نكتشفه ما هو إلّا نتيجة لبحث متعمّق، أو ربما جمعنا بين المدخلين وقمنا بتحليل القرآن الكريم ككتاب علميّ؟
دكتور بوكاي: كلا…كلا! فالقرآن ليس كتاباً علمياً على الإطلاق! كل ما هنالك هو أن ثمة مفاهيم عامة متعلّقة ببعض الظواهر العلمية. لا شيء أكثر من ذلك.
مدير الجلسة: دكتور فخري اختصاصي تربويّ.
دكتور فخري: ذكرت في تقديم الجلسة أن الدافع وراء اختيارك القيام بأبحاث في القرآن الكريم كان ما لمسته في القرآن من منطقية وتحفيز للتفكير. وبالطبع فإن الله قد ميّز الإنسان بالعقل. سؤالي هو…إلى أي مدى تركت فيك صفتك كعالم قام بدراسات تحليلية معمّقة للقرآن الكريم أثراً في منهج الإيمان لديك؟
دكتور بوكاي: إذا أطلقت العنان للتعبير عن مشاعري الشخصية فلتكن واثقاً من أن تأثير كتاباتي بين المسيحيين سيهوي إلى درجة الصفر. لهذا اخترت أن أظلّ منشغلاً بدراساتي واخترت عدم الغوص في المسائل الدينية والعقائدية حتى بالنسبة لي شخصياً. آمل أن تتفهّم موقفي (3).
دعني أفترض معك هنا أنني ولدت لأسرة مسلمة وأن اسمي بالميلاد كان محمد بوكاي عوضاً عن موريس بوكاي. كن واثقاً من أنني كنت سأكون فخوراً بذلك إلى أبعد الحدود. ولكن هل يمكنك أن تتخيّل أنه كان يمكنني إنجاز ما أنجزت؟ بكل تأكيد لا. لسبب واحد هو أنني قد أصبت بصدمة حين أدركت أن معتقداتي الدينية كانت في ضلال. إنه لأمر فظيع حقاً حين تكون على مشارف الخمسين من عمرك وتجد نفسك هامساً لنفسك قائلاً: “لعلي مخطئ تماماً في استنتاجاتي المتعلّقة بالكتب المقدسة”. ولذا أردت على نحو قاطع أن أوسّع مساحة علمي بالقرآن مجرداً من أي غرض محدد…أيّ غرض. ولو ولدت لأسرة مسلمة لكان القرآن مقبولاً تماماً عندي ككلام الله المنزّل. وربما ضعف عندي الحافز للقيام بدارسات كالتي قمت بها، لأن الإجابات عن تساؤلاتي ستكون جاهزة عندي منذ البداية.
دكتور شمس: أوافقك الرأي تماماً.
دكتور بوكاي: أود أن أعطيكم مثالاً. خلال شهر أكتوبر من العام الماضي (1986) قامت أسقفية قرطبة في إسبانيا بتنظيم لقاء ضمّ جمعاً من القساوسة والأساقفة والراهبات بمشاركة مسلمين من قرطبة. ودعتني أسقفية قرطبة لإلقاء محاضرة عن “المساهمة الإسلاميّة في الثقافة العلمية”. هل كان ممكناً بخيالكم أن يقوم أسقف قرطبة بدعوتي لو كنت متحدثاً عن مسائل دينية عقائدية؟ بالقطع لا! كانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها تناول موضوع كهذا في الأسقفية، وقد ترأس الأسقف بنفسه جلسة اللقاء. وحققت المحاضرة نجاحاً طيباً هناك. ولأن زوجتي كانت مدعوة أيضاً فقد تحدّثت مع الراهبات اللاتي نقلن إليها مدى تأثّرهن بموضوع المحاضرة. ولكي أنهي القصة فقد دعيت لإلقاء المحاضرة نفسها في مسجد باريس الكبير في يناير من عامنا هذا (1987). هذا هو موقفي ولعله يفسّر لكم الكثير عن حياتي. والآن يكفيني القول بأن هذا هو الطريق الصحيح، وأشكر الله إذ هداني إليه لأنه منهج عظيم الأهمية أثبت فعاليته في خدمة الحقيقة والإسلام.
مدير الجلسة: السيد أفضل فردوسي من مواطني شيكاغو ويعمل حالياً على إدخال إصلاحات في السجون مستغلاً هذه الفرصة لتعريف المسجونين بالإسلام.
أفضل فردوسي: يدور سؤالي حول المشابهات في القرآن، ثمة مثالان على ذلك؛ الأول جزء من الآية 12 من سورة الطلاق:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ…
والثاني في جزء من الآية 10 من سورة الصافّات:
…شِهَابٌ ثَاقِبٌ {37/10}
سأكون ممّتنا لو تمكنتم من تقديم تفسير علميّ لهذه المشابهات.
دكتور بوكاي: كلمة “سبع” هنا تحمل مدلول النقاء، وقد تكرّر ذكر “سبع” في أكثر من موضع في القرآن (4). لقد أخبرني معلمي أن كلمة “سبع” هي إشارة إلى النقاء وليست بحال دلالة على العدد الذي يتوسّط ستة وثمانية.
أفضل فردوسي: وماذا عن الشهاب الثاقب؟
دكتور بوكاي: كلمة “ثاقب”، كما أتذكر، تعني شيئا يخترق ظلام الليل.
دكتور صقر: معنى كلمة “ثاقب” يقترب من معنى انطلاق الصاروخ اليوم. أعتقد أن الآية تشير إلى النيازك والشهب التي تندفع بسرعة مخترقة مدار الأرض.
دكتور بوكاي: هناك معنى “الاختراق” في كلمة “ثاقب”.
أفضل فردوسي: ما تفسير كلمة “جنّ” التي وردت في القرآن؟
دكتور بوكاي: الجنّ؟ سأكون ممّتنا للغاية لو أخبرتموني أنتم عن معنى الجن. وحين كنت أترجم الآية القرآنية المعروفة المتعلّقة بغزو الفضاء في سورة الرحمن:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ {55/33}
ترجمتها إلى assembly of jins and men لأنني لا أعلم معنى كلمة “جنّ”.
دكتور صقر: أعتقد أنها مسألة إيمان لا ينبغي اللجوء إلى العلم لطلب تفسير لها.
دكتور بوكاي: لا يمكن للعلم تفسير كل شيء. وجّه إلي ما شئت من تساؤلات ولكني لن أجيب سوى عن القليل. غير أني أعتقد أن تفسيراتي، المنشورة والمسموعة والمرئية، تكفي معيناً لأيّ إنسان يتصف بالموضوعية والصدق للتوصّل إلى حقيقة أن القرآن لا يمكن أن يكون قول بشر وأنه بالضرورة وحي إلهيّ منزّل.
مدير الجلسة: دكتور أنصاري ناظر مدرسة كلارا محمد الإسلامية في شيكاغو.
دكتور أنصاري: يقول القرآن الكريم إنكم لو أردتم خدمة الإنسانية فلابد أن تؤمنوا بتعاليمه. إن الله يثني على ويرضى عن أولئك الذين يعلنون إيمانهم. لقد قلت إن أسقف قرطبة قد وجّه إليك الدعوة لأنه لا يعرف من أنت حقاً (يقصد حقيقة منهجه الإيمانيّ). ليس هذا هو المنهج القرآنيّ. كيف تدافع عن موقفك وأنت لا تعلن نفسك مسلماً في الوقت الذي تقرّ فيه بأن القرآن هو كلام الله؟
دكتور بوكاي: موقفي في غاية البساطة هو أن أقول الحقيقة وأن أخبر العالم عما تمكنت من اكتشافه في الإنجيل والقرآن. وأعتقد أن كثيراً من المسيحيين قد تأثّروا اليوم بما فهموه من كتاباتي عن القرآن. أعرف عدداً من القساوسة يقرّون اليوم بأن القرآن وحي منزّل من عند الله. فإذا ظلّوا بعد ذلك قساوسة فتلك مشكلتهم. إنني لا أسعي إلى ممارسة أيّ نفوذ عليهم ولكنني معنيّ بإبراز الحقائق أمام الجميع. ولا أروم شيئا أكثر من هذا. يمكنك بالطبع أن تستخلص ما تشاء ولكن بالنسبة لي من عظيم الأهمية أن أجعل الناس يتعرّفون ماهية الإنجيل وما أتى به القرآن.
وأنا أقوم بهذه المهمة متحرّراً من أية أفكار أو تصوّرات مسبقة من أيّ نوع على الإطلاق. الاستقصاء العلميّ وحده هو منهجي ولا شيء غير ذلك. هذه سبيلي وسأتابع طريقي على ضوئها.
دكتور صقر: دعوني أوضح نقطة هنا. يرد في جزء من الآية 28 من سورة غافر:
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ…
إذن كان هناك مؤمن في بلاط فرعون موسى عليه السلام لم يعلن إسلامه مختاراً أن يخفي إيمانه سعياً للتأثير في آخرين من قوم فرعون. وفي الواقع فقد حقق نجاحاً ظاهراً في مسعاه إلى أن حان وقت أعلن فيه ومن تأثّروا به إسلامهم في وجه طغيان فرعون.
مدير الجلسة: أدركنا الوقت هلّا تفضلت دكتور بوكاي بتقديم ملاحظاتك الختامية.
دكتور بوكاي: ليس لديّ ما أختم به، بل ربما عليكم القيام بذلك. ولكن إذا أردتم خلاصة واحدة فهي في متناول يدي…لقد أعلنتها من قبل وأكرّرها هنا “عليكم تعلّم اللغة العربية إن أردتم دراسة القرآن دراسة متعمّقة”. تعلّموا العربية فهذا هو نتاج تجربتي.
دكتور صقر: هل هي دعوة للمسلمين وغير المسلمين سواء؟
دكتور بوكاي: بكل تأكيد. فالقرآن قد تنزّل للعالمين جميعاً ولم يقتصر على الذين يقولون إنّا مسلمون. أنا مؤمن بهذا.
عند هذا التعليق الأخير انتهت الجلسة ودعا مديرها الدكتور أحمد صقر لاختتامها بالدعاء، فرفع الجميع أكفّهم بالدعاء والتأمين وفي مقدمتهم الدكتور موريس بوكاي (5).

]]>
https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d8%ad%d8%a8%d8%a9-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/feed/ 0 3208
أصل الإنسان – الدكتور موريس بوكاي https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/ https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/#respond Tue, 29 Nov 2016 16:46:15 +0000 http://bucaillelegacy.com/?p=3203&lang=ar

في عام 1987 تلقى الدكتور موريس بوكاي دعوة من معهد الإعلام والتعليم الإسلاميّ في شيكاغو لإلقاء محاضرتين في مراكز إسلامية في المدينة. واستندت المحاضرتان إلى كتابين لبوكاي هما: “الإنجيل والقرآن والعلم” (1976) و”أصل الإنسان” (1981).
وفيما يلي نصّ المحاضرة الثانية التي تنشر باللغة العربية للمرة الأولى.
ترجمة وإعداد: الفاروق عبد العزيز

أصل الإنسان: مخلوق أم متطوّر؟

في البدء لم يكن في متناول تساؤلات الإنسان عن أصل سلالته سوى تأملّات وموروثات وخرافات تناقلت عبر عصور تاهت فيها المادة المصدرية في غياهب الزمن. وفي المرحلة التالية، وقبل أن يرتقي العلم ليلقي بعض الضوء على هذه المسألة، استحضرت مختلف المنظومات الفلسفية عناصر للتأمل حول خلق الإنسان. علينا هنا أن نؤكّد على التأثير الذي خلّفته تعاليم الكتب السماوية لثلاث ديانات توحيدية على العقل البشريّ. فخلال قرون عدة، استمدّ الإنسان معلوماته عن أصله من هذه الكتب. في بادئ الأمر تنزّل الوحي الإلهيّ من السماء بشكل شفاهيّ ثم تلا ذلك الشكل المدوّن. ولا يملك المرء أن يحدّد التاريخ الذي أصبح الإنسان فيه واعياً بالوحي الأول. إننا نجهل الكيفية التي أوحي بها إلى الإنسان ولكننا نفترض أن نوحاً عليه السلام هو أول من استدعى انتباه قومه إلى هذه المسألة. الإنجيل يشير إلى ذلك كما نستدلّ من القرآن على أن فكرة دعوة الإنسان للمرة الأولى في تاريخه للقيام بالتأمّل والتفكّر في أصله بدأها نوح عليه السلام. إن أقدم نصّ من الكتب المقدسة متوافر لدينا اليوم يحدّد أصل الإنسان باعتباره نتاج خلق إلهيّ لا مراء فيه يتمثّل في النسخ اليهوية Yehvist والكهنوتية Sacerdotal للإنجيل. ومن المعتقد أن النسخة اليهوية للإنجيل، وفق ما ذهب إليه مؤرخو الأناجيل، قد تمت كتابتها ما بين القرنين التاسع والعاشر قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وبالتالي هي أقدم النسخ على الإطلاق. هذا في حين أن النسخة الكهنوتية للإنجيل كتبها كاهن في القرن السادس قبل الميلاد، وتحتوي على قصص مطوّلة عن الخلق تحتلّ حالياً المقاطع الافتتاحية في جميع النسخ الإنجيلية. وكان من الطبيعيّ أن تتبنّى المسيحية الأفكار المطروحة في تلك القصص عن أصل الإنسان وأن تكرّر التعاليم الإنجيلية ذاتها المتعلّقة بأصله دون إضافة أية تفاصيل تزيد عن تلك الواردة في كتب العهد القديم Old Testament. وعلى الرغم من ذلك فهناك بعض الاستثناءات خاصة في إنجيل لوقا والذي يبدأ تعداد الأجيال الإنسانية بداية من آدم عليه السلام ونهاية بالمسيح عليه السلام ويحدّدها في 76 جيلا من البشر. وهذه معلومات لا تلقى قبولاً في عصرنا.

لقد أثرى الوحي القرآنيّ، إلى حد كبير، معرفة الإنسان بذاته. غير أن العقول في العالم الغربيّ لا تزال إلى اليوم تتغذّى بالروايات الإنجيلية في موضوع أصل الإنسان. وفي حين أن القرآن، في العالم الإسلاميّ، يطرح الفكرة العامة حول الخلق فإنه يضيف معلومات لم توجد قط في الأناجيل. سأعود إلى شرح هذه النقطة فيما بعد.

بدأت المرحلة التالية خلال القرن الثامن عشر من العصر المسيحي حين سجّل العلم تقدماً مبدئياً، وحالما تمكن الإنسان من امتلاك درجة كافية من المعرفة العلمية تمكنه من التوصل إلى استنتاجات مقبولة، شرع العلماء في التبحّر في تأملات في اتجاهات متنوّعة. وفي أثناء تلك الحقبة قام معظم العلماء، تبعا لمناهجهم العقلانية، بتطبيق مكتشفاتهم الأوليّة على الإنسان في حين أنها لم تكن على أيّ قدر من الأهمية حتى بالنسبة إلى المملكة الحيوانية. لقد قاموا بذلك تأسيساً على نظرية التماثل الخالص Pure Analogy. كان هذا منهجاً ثبت خطؤه في التوصّل إلى ما استنتجوه، الأمر الذي يفسّر ما سيتبع ذلك من غرام بالأيديولوجيات. وهكذا لم يداخل الفلاسفة أيّ تردد في تأليف نظريات مؤسّسة على أسس واهية. هذه ممارسة ما زلنا نلاحظها في عصرنا.

شهد القرن التاسع عشر في العالم الغربيّ أولى المجادلات بين العلم والنصوص الدينية خاصة الأناجيل وبالأخصّ ما يرد فيها عن ثبات الأنواع عبر العصور والأحقاب وهي تصوّرات يتّضح تأليفها في كتب العهد القديم. كان لاماخ Lamakh (الذي أعلن عن نظريته في التحوّل في بدايات القرن التاسع عشر) أول متحدٍ للنصوص الإنجيلية حول ثبات الأنواع. غير أن داروين Darwin كان هو الذي وجّه أقسى الضربات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى النصوص الإنجيلية بكتابه “في أصل الأنواع” On the Origin of Species الذي صدر في عام 1859. لقد افترض داروين أن الطبيعة قادرة بصورة تلقائية على اختلاق كائنات حية كتلك التي يفضّلها مربّو الأبقار والجياد لمباشرة التكاثر. غير أن داروين قد غفل، خلال تطبيقاته، عن حقيقة أنه ليس بمقدور هؤلاء المربين توليد حيوانات من أنواع مختلفة عن أنواع الآباء. ولكن داروين أصاب حين قال إنه لاحظ اختلافات داخل النوع الواحد. غير أنه لم يعثر مطلقاً على حالة واحدة رصد فيها تغييراً في نوع معين أدى إلى تكوين نوع جديد. ولكي يتم شرح التطوّر في المملكة الحيوانية تلزمنا معرفة المحفّزات الباعثة على تحوّل نوع واحد إلى نوع آخر. لقد اعترف داروين نفسه في رسالة له بأنه قد أخفق في شرح عملية التطوّر. والرسالة محفوظة في المتحف البريطاني في لندن. في هذه الرسالة كتب داروين ما نصّه: “إنني أؤمن بالانتخاب الطبيعيّ Natural Selection ليس بسبب مقدرتي على أن أثبت، في أيّ حالة مفردة، أنه قد نجح في تحويل نوع إلى آخر، ولكن بسبب أن الانتخاب الطبيعيّ يقوم كما يبدو لي، بالتجميع والشرح الوافي لحزمة من الحقائق المتعلّقة بعلم الأجنّة التصنيفيّ Classification Embryology وعلم تركيب الخلايا Morphology والأعضاء غير مكتملة النموّ Rudimentary Organs والتتابع الجيولوجي Geological Succession وتوزيع الأنواع Distribution”.

هكذا اعترف داروين بأن نظريته لا يمكنها أن تشرح عملية التطوّر. وهنا تكمن كل المشكلات المتعلّقة بنظرية داروين.

في عام 1982 احتفل العلماء بمضيّ قرن على وفاة داروين بإطلاق حزمة من التصريحات التبريرية التي جاءت للأسف مخيّبة للآمال بالنظر إلى أهمية إنجازاته في تاريخ العلوم الطبيعية. وفي القسم الخاص بإجابات العلم والكتب المقدسة في كتابي “أصل الإنسان” What is the Origin of Man? عرضت للعيوب التي اعترت نظرية داروين ولأوجه سوء استخدامها بواسطة محلّلي أعماله المعاصرين. فاليوم يتضح جلياً وبشكل كامل عامل التطوّر في المملكة الحيوانية؛ فقد توافر لدينا الدليل المفصّل في عدد لا يحصى من الحالات على حدوث تحول، عبر مدد زمنية متعاقبة، من الزواحف إلى الثدييات على سبيل المثال. بيد أن داروين لم يثبت أبداً أن الإنسان قد انحدر من القرد. بل إنه لم يشر قط إلى ذلك في كتاباته. إن بعض أتباعه يرددون ذلك دون أدنى دليل حيث إنه لم يثبت على الإطلاق وجود حلقة وراثية بين الإنسان وأنواع حيوانية. سنعود إلى هذه النقطة لاحقاً.

لقد بذل مؤيدو النظريات الحديثة كالداروينية الجديدة جهداً هائلاً لكي يجمعوا بين معطيات مستبعدة عفا عليها الزمن في نسق واحد مع مكتشفات أصلية توفّرها معلومات معاصرة. ولكنهم لم ينجحوا بأي شكل في تجميع الحقائق المتعلّقة بالمشكلات التي يواجهونها. ووفقاً لمنهجهم فقد توصّلوا إلى نتائج مستقاة من أوجه معينة من معطيات تم جمعها معملياً. في تلك المعامل تجري دراسة الكائنات الدقيقةMicroorganisms التي لا ترى إلّا بالمجهر، دون اعتبار للحقائق المحدّدة المرتبطة بأحداث ماضية وهي حقائق يوفّرها لنا علم الإحاثة، من خلال دراسة الأحافير المتحجّرة، ثم علوم أخرى متصلة كعلوم الحيوان والأجنّة والتشريح المقارن والجينات والأحياء الخلوية والجزيئية وغيرها. وفي الواقع أننا نلاحظ ميلاد نظريات يدعمها باحثون قاموا بشرحها اعتماداً على العلم بصورة مطلقة، ولكن هذه النظريات لا تظهر سوى توافق مع معتقداتهم الخاصة. ونحن في فرنسا نتمتع بموقع ممتاز في هذا الميدان لكي نلاحظ إلى أي مدى استحق على الإطلاق علماء في الأحياء المجهرية Microbiology من أمثال العالمين الشهيرين جاك مونرو Jack Monroe وفرانسوا جاكوب Francois Jacob، نيل جائزة نوبل في الطب؟ وإلى أي مدى بلغ تحرّرهم من الحقائق في سبيل إشباع رغباتهم المادية Materialistic.

كيف أتفق مع عالم يدرك جيداً روعة التنظيم الخّلاب الذي يحكم وظائف الخلايا ولكنه يطلق التطوّر في المملكة الحيوانية؟ بل كيف أتفق مع فرانسوا جاكوب الذي يرى التطوّر نتيجة لترتيبات مؤقتة في كتابه “لعبة الاحتمالات” The Game of Possibilities؟ أو كيف أتفق مع جاك مونرو الذي يروّج لنظرية في المصادفة والضرورة كتفسير جاهز لأي موضوع. إن تركيب الجسم الإنسانيّ أكثر تعقيداً بمراحل مما يستطيع أيّ مبرمج للحواسيب تخيله. لا أستطيع هنا أن أخوض في تفاصيل وزوايا قمت بتغطيتها في كتابي – “أصل الإنسان” ولكن على الرغم من ذلك أجد لزاماً عليّ أن أسرد بعض المعطيات الخاصة بالحياة ووظائف الخلايا من منظور عام. ولعله من المفيد هنا أن أذكّركم ببعض الأفكار التي ربما لا تكونون واعين بها وأن أرسم خطاً متوازياً بينها. من العبث القول بأن الحياة ربما تكون قد حدثت فوق كوكب الأرض بطريق المصادفة. والقول بأن الحياة قد وفدت إلى كوكبنا من الفضاء محض افتراض لا يقوم على دليل علميّ. ومن المتيقن أن تجارب كتلك التي أجراها ميلر Miller في عام 1955 والتي أظهرت نتائجها أن قدراً بالغ الضآلة من المركبات الكيميائية المحتوية على نسبة تكثيف عالية كالأحماض الأمينية في البروتين الخلويّ يمكن إنتاجها في المعامل. وقد تتمكّن كتلة غازية مكوّنة من الهيدروجين والأمونيا والميثان وبخار الماء مدفوعة بشحنات كهربية عالية الكثافة من إنتاج عينات من تلك المركبات الكيميائية. ولكن ما يخرج من هذا كله ليس هو الحياة. إن منطق تجربة ميلر يجانبه الصواب لأن هناك فجوة عميقة بين جمع مركبات كيميائية في شكل مرتب كيميائياً وإنتاج هذا التركيب المذهل الذي نطلق عليه اسم الخلية أو حتى المكوّنات العضوية الأولية Rudimentary Organs. إن كل خلية، إن جاز التعبير، تمتلك حاسوبها الخاص بها، والأوامر الصادرة إلى الخلية للقيام بوظائف لا حصر لها يصدرها جزء متناه في الضآلة Molecule يقوم بتشغيل كل البرامج بما فيها عملية التوالد. ففي نوى الخلية هناك جزيئات متناهية في الصغر بروتينية/جينية Proteomic يطلق عليها DNA أو الحمض النوويّ الريبيّ والذي يعتبر العنصر الأساسيّ في المنظومة كلها. ويتميز هذا الحمض بتركيب معقد مذهل يقوم بإنتاج العناصر الكيميائية الأولى Catalysts المحفّزة لإطلاق تفاعلات كيميائية معينة. وتعتمد خصوصية تلك العناصر على المركّبات الكيمائية التي تعلق بهذا المكوّن الجوهريّ. وبهذه الكيفية يتم إرسال الأوامر المشفّرة عبر ناقلات كيمائية. بعد فك الشفرات يتم إنتاج إنزيمات معينة تؤدي إلى تركيب البروتينات الضرورية للحياة. وهذه الإنزيمات هي أقسام الحمض النوويّ الريبيّ DNA التي تعلق بها المركّبات الكيميائية. .تحتوي كل خلية من الخلايا على عدد معقول منها يقوم بإصدار الأوامر بعدد لا يحصى من الأنشطة. وبهذه الكيفية يتم تكوين مجموعة الكروموسومات – الصبغيات (1) الحاملة للشفرة الوراثية – الجينوم Genome. بل إن الكائن الحي Living Organism الذي لا يحتوي على نواة Nucleus كالبكتيريا يتمتع أيضاً بمنظومة التحكم تلك نفسها. وفي داخل الخلايا هناك شريط من الحامض النوويّ الريبيّ DNA مطويّ حولها على مدى فترة زمنية طويلة جداً. ومن خلاله يتم إنتاج آلاف الأنواع من البروتينات. ويتم إنتاج حوالي 3000 بروتين لنوع من البكتريا يسمى Escherichia Coli وفي داخلها يصل طول شريط الحامض النوويّ الريبيّ DNA إلى ملليمتر واحد أي ما يعادل 5000 ضعف الحجم الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه البكتريا. وفي الكائنات البشرية فإن حجم كل خلية يقاس بمقياس آلاف الملليمترات. وقد يتجاوز مجموع أطوال شريط الحامض النوويّ الريبيّ DNA داخل جسم الإنسان بعدة أضعاف طول المسافة الممتدة بين الأرض والشمس. وقد أمكن اليوم التوصّل إلى تقدير أدق لأطوال أشرطة الحامض النوويّ الريبيّ DNA داخل جسم الإنسان بما يزيد على 15 ضعف المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس. وبعبارة أخرى فإن هذا التقدير قد وضع اعتماداً على قياسات فلكية! وإذا كان هذا ممكن التصوّر فما لا يمكن تصوّره هو أن المخزون الدقيق للجينات في الجسم البشريّ يمكن أن يسحب! فلتنفيذ خطة السحب هذه يلزم تسخير جهود آلاف من المهندسين والأطباء والباحثين لثلاثة آلاف عام لإنجاح الخطة! ومع افتراض أن كل مركب كيميائيّ أساسيّ، وفي الحالة التي بين أيدينا كل نواة Nucleonic (مكوّنات الذرة)، يمكن الإشارة إليه بترميزه كحرف في كتب تحتوي على معلومات مجمّعة عن كائن بشريّ واحد، سيتطلب الأمر توفير مائتي كتاب من الحجم المتوسط يضمّ كل منها 500 صفحة! ولنتخيّل أطوال رفوف الكتب ولنتفكّر في أن مثل هذه الكمية الخيالية من المعلومات مخزّنة في كل نواة من كل خلية من خلايانا التي يقاس حجم الواحدة منها بمقياس واحد على الألف من الملليمتر! إن حجمها متناه في الصغر حتى أنه لو تم تجميع الشفرات الوراثية – الجينية لنحو خمسة بلايين كائن بشريّ فوق كوكب الأرض لشكّلت جداراً واحداً! أمّا الكتلة الكليّة لهذا الجدار فقد لا تتجاوز حجم ما يعادل سنتيمتر مكعب واحد!

ترى هل يستطيع العقل البشريّ إنجاز مثل هذا التصغيرMiniaturization في البرمجة الحاسوبية؟

إن السمة الأساسية المميّزة للكائن الحي هي التنظيم الدقيق والمذهل حيث تقوم الجينات بإصدار الأوامر بتشغيل الوظائف المخصّصة لكل خلية في الوقت الذي يستطيع فيه الإنسان باختياره تشغيل الوظائف المركزية لأعضاء الجسم.

أمّا في المملكة الحيوانية فإن معظم تلك الوظائف تباشر عملها على نحو تلقائيّ – آليّ انطلاقا من برمجة خلاياها بالغة التعقيد. وعلى سبيل المثال فإن الخلايا السرية (2) عند الطيور تختزن كمّاً هائلاً من المعلومات تستدعيه آلياً لإنجاز هجراتها المعقدة أبلغ تعقيد. وتشتمل المعلومات على البرمجة التلقائية لسلوكياتها. ونحن نعلم اليوم مدى ضآلة الحجم المتناهي في الصغر لجهاز الطيور العصبيّ المركزيّ حيث يتم تسجيل البرمجة وحفظها. هذا مثال يكشف لنا عن الإمكانات التي تزخر بها المادة الحية المحكومة بتنظيم عظيم.

أين إذن يمكننا وضع أصل الحياة في التاريخ الأحيائيّ Biological History لكوكب الأرض؟ بقدر ما تناهى إليه علمنا فإن الفرضية الأكثر احتمالية تكمن في الأصل المائيّ للحياة حيث وجدت البكتريا والطحالب منذ بليون عام، بينما يصل عمر كوكبنا إلى نحو أربعة بلايين ونصف بليون سنة. ويمكن إرجاع أعمار كائنات دقيقة أخرى عثر عليها متحجّرة في الصخور إلى ثلاثة بلايين عام. ومن المحتمل جداً أن تكون أشكال متعددة الخلايا للحياة قد تطوّرت من أشكال أحادية الخلايا. ولعل الإسفنج كان أكثر الكائنات الحية البدائية متعددة الخلايا. وربما انبثقت من هذه الأشكال البدائية أشكال أخرى كانت تمتلك كمية هائلة من الخلايا والأعضاء الحيوية، ومن المحتمل أنها اكتسبت وظائف ذات طبيعة عصبية وعضلية. ومن المحتمل أن تكون تلك الكائنات قد تشكّلت منذ أقل من بليون عام. أمّا اللافقاريات فقد ظهرت على الأرجح منذ حوالي خمسمائة أو ستمائة مليون عام، في حين أن الفقاريات ظهرت بعد ذلك منذ حوالي أربعمائة وخمسين مليون عام مثل بعض أنواع الأسماك التي تابعت التطوّر منذ ذلك الحين. ومنذ حوالي ثلاثمائة وخمسين مليون عام ظهرت أولى الفقاريات الأرضية أو البرمائيات والزواحف وتلتها الثدييات منذ حوالي مائة وثمانين مليون عام، وأخيرا الطيور التي ظهرت منذ مائة وخمسة وثلاثين مليون عام. ويوضّح هذا الاستعراض المختصر عظم مقدار التطوّر في المملكة الحيوانية في سياق مستمر من التطوّر في أشكال مطردة في التعقيد وفقا لنظام بالغ الكمال. وهو نظام يجعل من المستحيل تماماً اعتبار عامل المصادفة في هذا كله. إن الشفرة الوراثية التي تتحكّم في كل خلية من خلايانا تشغل وظيفة المدير المنظّم لكافة التحوّلات التي تحدث للكائن الحي عبر برمجة مثالية منظّمة لا تسمح بأدنى قدر من الفوضى الملازمة حتماً للمصادفة.

وتظهر خلال عملية التطوّر سمات جديدة للكائن المتطوّر. وهذا أمر لا يمكن الفكاك منه حين يتم تطبيقه على عنصر أو أكثر من المكوّنات الوراثية – الجينات. إن عملية التطوّر مسئولة عن إيجاد أشكال أكثر تعقيداً في المملكتين الحيوانية والنباتية. وهكذا حتى إذا لم يكن المرء على اطلّاع إلّا على أقلّ القليل في عالم الكائنات الحية، فسيتضح له أن كل شيء يخضع لبرمجة كاملة على مستوى الشفرة الوراثية وهي التي تقوم بالتحكّم التام في كافة الوظائف بالغة التعقيد المتصلة بالتحويرات التشريحية في الكائن الحي.

والآن…كيف يمكن أن تتلاءم فكرة وجود خالق للبرمجة مع ما يعرضه لنا العلم؟ بل كيف يتسنى للعالم الموضوعيّ المعاصر أن يتغاضى عن استحالة تفسير هذا الترتيب المذهل الحاكم للظواهر الحياتية؟ لأنه إذا اعتمد هذا العالم رسمياً فكرة مصادفة الخلق، مؤمناً بالتصوّرات المسبقة الشائعة كنظرية داروين في الانتخاب الطبيعيّ، فسيجد نفسه أمام نظريات لا يمكنها أن تفسّر بحال عملية التطوّر كما نعرفها اليوم؟ إن ما يميّز الكائن الحي حقاً هي المعلومات المسجّلة في الشفرة الجينية التي تحتوي على المواصفات الخاصة بشكل كل نوع وبنيته ووظائفه. فالتطوّر، كما نعرفه اليوم، عملية تعتمد على الإضافات المتتابعة على فترات زمنية للبيانات المعلوماتية للشفرة الجينية. ويمكن للعلماء مناقشة عدد غير متناه من الأمور حول الأسباب التي تشكّل العامل الحاسم Determining Factor في تحديد النوع، غير أنهم لا يستطيعون تجنّب حقيقة البرمجة لأنها واضحة تماماً. إن بعض منظّري اليوم، الذين يدّعون بأن لديهم تفسيرات لكل شيء، لا يجدون ما يقولونه عندما أوجه إليهم سؤالاً عن منبع المعلومات الجينية. ولم يقدم لاماخ Lamakh أو داروين شرحاً لتكوين الأقسام النوعية الكبيرة الأساسية في المملكتين الحيوانية والنباتية.

إن الأحداث التي رافقت عملية التطوّر قد وقعت على مراحل زمنية بالغة الطول. ففي البدء ظهرت العلامات الأولى المكوّنة لملامح محددة. ثم أعقبتها فترة توثيق Authentication للظواهر التي صاحبت الفترة الأولى. وكان ذلك حين أبطأت الحركة الكونية ووصل خلق أنماط جديدة إلى مرحلة يبدو في الوقت الراهن أنها المرحلة الأخيرة. وفي حالة التطوّر البشريّ، فقد وصل إلى حالة ثبات في عصور أحدث من تلك. أما الأنماط التنظيمية Organisational Types الرئيسة فقد وضعت في مراحل مبكرة تماماً. ومنذ تلك اللحظة اكتسبت كافة الأنماط التنظيمية شكلاً معيناً قام بتوجيهها في اتجاه معين. ولم يحدث قط أن انبثق نوع تنظيميّ من تلك الأشكال المميّزة.

كتب بول جاراسي Paul Garaci في كتاب له يقول: “ينبثق التطوّر الخلّاق Creative Evolution من الأشكال النموذجية الأصلية Prototype Forms. فبدونها لم يكن ممكناً ظهور أي نوع من الكائنات الحية Organism”. وعلى المستوى الخلويّ يثير التطوّر مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن العثور على إجابة عنها في مراجع علم الأحياء الدقيقة أو الجينات Genetic Microbiology. فمن غير الممكن أن تحدث ظواهر جديدة في الخلية دون وساطة جزيء الحامض النوويّ الريبيّ DNA المسئول من خلال الحمض النوويّ الريبوزي RNA عن إنتاج البروتين الذي يشكّل الأصل في التركيب الكيميائيّ. ولذا ينبغي أن نلاحظ أن حدوث أيّ تنويع ذي أهمية في مكوّنات الكائن الحي يتعين على جزيء الحامض النوويّ الريبيّ اكتساب جينة – مورّثة جديدة مضيفاً إياها إلى مستودع المعلومات المخزّنة كيميائياً. وهكذا فإن التعديل في الجينة لا يتم إلّا على جينة موجودة بالفعل. وقد أكد البروفسور جاراسي، الذي قام بتدريس التطوّر في المملكة الحيوانية لثلاثين عاماً في جامعة باريس، أن الكائنات الأولية تماماً لا يمكن أن تكون بشكل أصيل وملموس قد احتوت داخلها كافة العائلات الجينية Genus للحيوانات. ويسري الأمر نفسه على النباتات. ومن منظور جاراسي فإن وجود العائلات الجينية شرط أساسيّ تماما لحدوث عملية التطوّر.

والآن…ماذا حدث للكائن البشريّ؟ يتعين علينا هنا استعراض نتائج الأبحاث، دون النظريات، بغرض إجراء مقارنة بينها وبين مقاطع واردة في الإنجيل والقرآن. ووفقاً لما توصّلت إليه جهود علماء الإحاثة من حقائق مستقرّة قائمة على دراسة الأحافير المتحجّرة والعظام والأسنان وبقايا كائنات بشريّة تم التأكيد على أنها عاشت في أفريقيا منذ نحو أربعة ملايين عام، فإن هؤلاء البشر كانوا أناساً أذكياء، لأنهم لم يتمكنوا من استخدام الأدوات كبعض الحيوانات فحسب بل كانوا قادرين أيضاً على صنعها. ولم يكتسب أيّ حيوان القدرة على الاختراع. وقد أطلق العلماء على تلك المجتمعات البشرية البدائية اسم أسترالوبيثِكس Australopithecus وهي تسمية لا أعتقد بصحتها حيث إنها ترتبط بنوع من القردة تختلف عنها بكل وضوح، على الرغم من أن تركيبها الشكليّ – المورفولوجيّ قد يتشابه مع تركيب الإنسان في أوجه عدة منها وضع الوقوف على الرغم من أنها أضأل حجماً وجمجمتها تستوعب مساحة قدرها 500 سنتيمتر مكعب. ووفقاً لما نعرفه اليوم، فإن هؤلاء البشر يمثلون أقدم الأجيال الإنسانية. غير أنه لا ينبغي أن نستبعد احتمالية أن تدفع اكتشافات مستقبلية بتاريخ ظهور الإنسان على الأرض إلى أبعد من ذلك التاريخ. غير أننا لا نعرف تحديداً متى انقرضت تلك الموجة من الكائنات البشريّة. ربما قبل مجيئنا بحوالي ستة ملايين عام. لا نعلم. حملت الموجة الثانية الإنسان المنتصب Homo Erectus الذي عثر عليه في أفريقيا وآسيا وماليزيا وأوروبا. كان حجم تلك السلالة مقارباً لأحجامنا في حين كان حجم الجمجمة لديها أكبر منا…أي حوالي 900 سنتيمتر مكعب في المتوسط. لقد اكتشف الإنسان المنتصب النار. وربما عاش ذلك الجيل ما بين نصف مليون إلى مائة وخمسين ألف عام مضت. أما الموجة الثالثة فكانت إنسان نياندرتال Neanderthal الذي عثر على بقاياه في أفريقيا والشرق الأوسط وجزيرة جاوة في إندونيسيا، وكان حجم دماغه أكبر من حجم دماغ الإنسان الحاليّ. ويبدو أن هذه الموجة قد عاشت فترة أقصر امتدت ما بين مائة وخمسين ألف عام إلى أربعين ألف عام خلت. وأخيراً حلّت الموجة الرابعة وهي الإنسان العاقل Homo Sapiens جد الإنسان الحاليّ والذي يبدو أنه قد تطوّر قليلاً حتى زمننا الراهن.

المؤكد أننا لم نعثر على الإطلاق على أيّ حلقة تربط أيا من تلك الموجات البشرية بأيّ نسب حيوانيّ. كما أننا لم نعثر حتى على وسيط بين الحيوانات الرئيسة وذلك النسب الذي ذكرت. وقد تم التأكيد على هذه النقطة بالتحديد في المؤتمر الدوليّ لعلماء الإحائة (فرنسا 1982). ومن ثم فإن أيّ شخص موضوعيّ النظرة لابد أن يعترف بوقوع مثل تلك الأحداث على فترات زمنية. هناك تحويرات في الشكل الإنسانيّ ولكنها لا تدلّ بحال على أننا انحدرنا من القردة. وقد احتفظ الإنجيل بالفكرة الصحيحة تماماً المتعلّقة بالخلق والتي يؤكدها النص. وعلى الرغم من ذلك فإن أكثر روايتين إسهاباً في الإنجيل وصفتا خلق الأنواع المختلفة من الحيوانات، كما أوردت في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم” The Bible, the Qur’an and Science بالثبات عبر مختلف العصور. وإضافة إلى ذلك فإن البيانات والمعلومات الواردة في الإنجيل تؤدي إلى تقييم تاريخ خلق العالم أو ظهور الإنسان الأول على سطح الأرض بسبعة وخمسين إلى ثمانية وخمسين قرناً. وفي عام 1987 حدد التقويم العبريّ عمر الإنسان على الأرض؛ 5747 عاماً. لا يمكن علمياً قبول أيّ من هذه المعطيات. ولذا ربما ألتمس بعض العذر للإنجيل حيث إن مؤلّفيه، الذين يعتقد المؤمنون به أنهم موحى إليهم، قد ارتكبوا أخطاء باستلهامهم خرافات عصرهم وأساطيره. ولم يحدث أن تمكّن أحد من إبراز تلك الأخطاء إلّا في عصرنا الحديث. ومن ثم فلا عجب أن يعلن مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1965 بالحرف الواحد “أن أسفار العهد القديم تحتوي على معلومات ناقصة وباطلة”.

تجري مناقشة مفهوم الخلق في العادة لدى أولئك الذين يؤكّدون على وجود تشابهات بين الإنسان والقردة وأسلاف مزعومين من منظور تشريحي يجمع نسقا من الوظائف المشتركة بين الإنسان والقردة، مؤكدين بذلك انحدار البشر من القردة. غير أنهم يتناسون أن تلك التشابهات قد فرضت على الإنسان. إذ كان الإنسان مضطراً للعيش في المحيط الحيوانيّ النباتيّ نفسه بسبب احتياجه، كحاجة الحيوان، إلى الأكسجين للتنفس. كان عليه كذلك التغّذي مما تنبت الأرض ومما يمكن أن تصل إليه يداه من لحم الحيوان كي يسد حاجته إلى الغذاء مثلما يفعل الحيوان أيضاً. وكان من الطبيعيّ أن يؤدي هذا السلوك الحياتيّ إلى تشابهات في الوظائف العضوية والحيوية وجملة من السمات المميّزة الأخرى. فبدونها لم يكن للإنسان أن يتمكّن من الحياة على كوكب الأرض.

وإذا وضعنا في الاعتبار ما توصلت إليه المعطيات العلمية المؤكّدة في عصرنا، فلن نجد اختلافا بين العلم والدين حول خلق الإنسان. وهو مفهوم يتشارك فيه الإسلام والمسيحية واليهودية. غير أن الإسلام، فيما يتعلّق بخلق الإنسان، قد أضاف معلومات نطالعها في القرآن. وقد تطرّقت في كتابي “أصل الإنسان” إلى تلك الإضافات التي تركت تأثيراً هائلاً من وجهة النظر العلمية، حتى أنني قمت بإلقاء محاضرة حول هذا الموضوع في عام 1976 في أكاديمية الطب الوطنية الفرنسية. وقد قمت الآن بتطوير هذه النقاط في شكل كتب. وعند تناولي لموضوع أصل الإنسان لم يسعني أن أنسى كيف زودنا القرآن، في سياق عام، بمعلومات عن بداية الخلق. سأستشهد هنا بالآية 30 من سورة الأنبياء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حي أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {21/30}

من منّا لا يعرف اليوم أن أصل الحياة مائيّ؟ وعلاوة على ذلك اعتقد أنني قد لاحظت في القرآن إشارة إلى أن البنية الإنسانية Morphology قد تم تشكيلها في تتابع عبر مراحل وفقاً لما أثبته العلم الحديث. ولم يتح لنا فهم تلك الآيات تماماً إلّا في عصرنا. فالمفسّرون القدامى ومترجمو القرآن المعاصرون لم يتمكّنوا من فهم المعاني الصحيحة للإشارات العلمية في القرآن التي لم يكن ممكناً سوى لعالم طبيعيّ تفسيرها. لن أؤكّد هنا على المعنى الروحانيّ الشائع المرتبط بخلق الإنسان من الأرض، ولكن القرآن يخبرنا عن المرحلة الثانية بعد الخلق حينما صوّر الله الإنسان في هيئة خاصة به. نقرأ في الآية 11 من سورة الأعراف:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ {7/11}
لقد تمّت “تسوية” الإنسان في شكل متناغم على نحو ما يرد به فعل “سوّى” من تفصيل في سورة الحج وفي الآيتين 7 – 8 من سورة الانفطار:
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {82/7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {82/8}
وسأتابع الاستشهاد بذكر آيات من القرآن تشرح نفسها كالآية 4 من سورة التين:

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ {95/4}

تعني كلمة “تقويم” العربية “تخطيطاً بصورة منظّمة”. والآية الواردة في سورة نوح تفيد بأن الله قد خلقنا أطواراً، ولذا ذهبت في كتابي إلى أن كلمة “أطوار”، التي ترد مرة واحدة في القرآن، من الجائز ربطها بتحوّلات مرّ بها الجنس البشريّ عبر تاريخه.

وفي الختام، وعندما يضع المرء في اعتباره ما وفّرته لنا المعطيات الإحاثية فيما يتعلّق بالموجات المتتابعة للجنس البشريّ، لا يستطيع المرء أن يقاوم إغراء المقارنة بين تلك الاكتشافات العلمية مع ما ورد في الآية 28 من سورة الإنسان:

نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا {76/28}

ويستمر التوافق الواضح بين آيات القرآن والمعطيات العلمية المستقرّة في علم الإحاثة حين نقرأ في الآية 133 من سورة النساء:

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا {4/133}

تؤكد هذه الآيات تماماً على اختفاء بعض المجتمعات البشريّة واستبدال مجتمعات أخرى بها على مر الأزمان وفق مشيئة الله. يا له من توافق أمثل مع علوم أخرى كثيرة. ودعونا نتذكر أن هذه الحقائق كانت مجهولة تماماً في العلم البشريّ عند نزول القرآن. تلك دروس ذات أهمية بالغة يتعيّن على العلماء استقراءها من هذه الحقائق ليتوصّلوا إلى معرفة مؤكدة عن أصل الإنسان.

هل هناك أيّ استنتاج آخر لما طرحناه؟

]]>
https://bucaillelegacy.com/2016/11/29/%d8%a3%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%8a/feed/ 0 3203
القرآن والعلم https://bucaillelegacy.com/2016/11/24/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85/ https://bucaillelegacy.com/2016/11/24/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85/#respond Thu, 24 Nov 2016 15:31:54 +0000 http://bucaillelegacy.com/?p=3132&lang=ar

المحاضرة التالية هي الأولى من محاضرتين ألقاهما الدكتور موريس بوكاي ضمن برنامج زيارته إلى شيكاغو في عام 1987. وقد تمت دعوة الدكتور بوكاي بعد أن نالت إسهاماته العلمية المتعلّقة بالإشارات العلمية في القرآن الكريم مكانة مرجعية موثقة.
وفي المحاضرة، التي تنشر لأول مرة باللغة العربية، يلخّص بوكاي ما سبق أن أجمله في كتابه “الإنجيل والقرآن والعلم” (1976) مضيفاً إليه ما تبعه من جهود علمية.
ترجمة وإعداد: الفاروق عبد العزيز

مقدمة المضيف
إنه لمن دواعي سروري وفخري أن أقدم لكم العالم الفرنسي البارز الدكتور موريس بوكاي، الذي اهتم كثيراً بدراسة القرآن في فترة معينة من حياته. ففي البداية قرأ القرآن في ترجمته الفرنسية، وبعد ذلك قرأه في ترجمة إنجليزية ولاحظ وجود بعض التناقضات بين الترجمتين حيناً والاختلافات حيناً آخر. ونتيجة لذلك قرّر تعلّم اللغة العربية وكان عمره آنذاك خمسين عاماً. ولكونه عالماً فقد اضطلع بمهمة البحث في علاقة الروايات الإنجيلية والقرآن الكريم بالعلم الحديث. وفي ختام بحثه نشر كتابه المرجعيّ الممتاز الأول؛ “الإنجيل والقرآن والعلم” The Bible, the Qur’an and Science بالفرنسية في عام 1976 وما لبث أن ترجم إلى الإنجليزية خلال شهور. وخلال الأعوام التالية انشغل بدراسة الجدل الدائر بين التطوّريين والمؤمنين بالخلق فنشر كتابه الثاني في عام 1981؛ “أصل الإنسان” The Origin of Man وأحدث مساهماته العلمية كتابه الأخير؛ “مومياوات الفراعنة: بحوث طبية حديثة” Mummies of the Pharaohs: Modern Medical Investigations تحت الطبع في الوقت الحالي. وفيه يشرح الكيفية التي استطاع بها تحديد هوية الفرعون في عصر ميلاد النبي موسى عليه السلام ثم الفرعون الذي حدث الخروج Exodus في عصره.

محاضرة الدكتور موريس بوكاي

القرآن والعلم الحديث

السيدات والسادة…السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
لا وجود لأيّ كتاب أبدعه جهد إنسانيّ قبل عصرنا الحديث قد احتوى على معطيات تساوت مع الوضع المعرفيّ آن ظهورها مما يمكن مقارنته بالقرآن. وربما لا يمكنني أن أعثر على مثال أفضل للدلالة على الرباط الوثيق بين العلم والإسلام مما ورد في حديث لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول فيه:

“اطلبوا العلم ولو في الصين”

والذي ينطوي على دعوة صريحة للإنسان بإطلاق سعيه نحو المعرفة. وفي قول آخر ربما كان أبلغ دلالة يقول صلّى الله عليه وسلّم في حديثه المشهور:

“مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء” .

ولذا لم يكن من المفاجئ النظر إلى العلم والدين دوماً كتوأمين في الإسلام. وفي عصرنا، حيث حقّق العلم إنجازات باهرة، لا تزال التوأمة بين الإسلام والعلم قائمة، وما هو أكثر من ذلك فإن المعطيات العلمية صارت تتيح مجالاً لفهم أفضل للنص القرآنيّ. بل إن ما يلفت الانتباه أكثر من ذلك أن نرى أنه في قرن يرى فيه الكثيرون أن العلم قد وجّه ضربات موجعة للمعتقدات الدينية، فقد كانت الاكتشافات العملية بالتحديد هي التي ألقت الضوء على الطبيعة غير العادية للآيات القرآنية. ومن منظور عام فإنه يبدو أن العلم اليوم، وعلى الرغم مما قد يذهب إليه البعض، يدعم بقوة البيّنات الدالّة على وجود الله. فما إن نبدأ في طرح التساؤلات على أنفسنا بشكل غير متحيّز طليق من الأحكام المسبقة عن الدروس الميتافيزيقية – ما وراء الطبيعية، التي يمكن استخلاصها من جملة معارفنا العلمية اليوم، كمعرفتنا باللانهائيّ، فإننا نكتشف حقا عوامل متعددة تدفعنا للتفكير في هذا الاتجاه.
فحينما نتفكّر في ذلك التنظيم المذهل الذي يحكم ميلاد ورعاية استمرارية الحياة في عالمنا، نجد، على نحو قطعيّ، أن التفكير في احتمالية أن يكون مولد الحياة وليد المصادفة في تضاؤل مستمر كلما اتسعت آفاق معرفتنا. إن التقدم العلميّ بالنسبة لي، في محاولة فهمه للتعقيد الخلاب الذي ينتظم حياة الكائن الإنسانيّ، يقدم لنا أدلّة قوية في صالح النظرية المضادة لنظرية المصادفة. وبعبارة أخرى هذه أدلة على وجود تنظيم منهجيّ خارق يهيمن على كل الظواهر الرائعة في الحياة على الأرض والكون من حولنا. وفي كثير من المواضع يقودنا القرآن ببساطة إلى هذا النوع من التدبّر. بل إنه يحتوى على معطيات أكثر دقة وتحديداً تتصّل مباشرة بحقائق علمية اكتشفها العلم الحديث. وهذا هو بالضبط ما يسترعي انتباه علماء اليوم. فتلك حقائق ظلّت مستغلقة على الفهم الإنسانيّ لقرون لأن الإنسان لم يكن يملك الأدوات الكافية للفحص العلميّ. اليوم فقط أصبح باستطاعتنا تقديم فهم أشمل لآيات قرآنية فيها إشارات إلى ظواهر طبيعية. إذ إنه بمراجعة ما كتبه مفسّرون للنص القرآنيّ يظهر عجزهم عن إدراك المعنى الكليّ لهذه الآيات على الرغم من تبحّر هؤلاء المفسّرين في علوم عصورهم. بل إنني أذهب إلى أبعد من هذا بالقول بأنه حتى في هذا القرن العشرين، بكل ما فيه من تصنيف وتبويب للمعرفة الآخذة في الاتساع، ليس من اليسير على العالم “العام” أن يفهم مدلول الإشارات العلمية في الآيات القرآنية فهماً صحيحاً وشاملاً دون اللجوء إلى البحث التخصّصيّ. وهذا يعني أنه إذا أراد المرء فهم الآيات القرآنية المحمّلة بإشارات علمية عليه أن يكون مزوداً بشكل مطلق بمعرفة موسوعية تعينه على الاقتراب من علوم عدة.
إن القرآن كتاب دينيّ لا يستهدف أغراضاً علمية. فكلما دعا الله الإنسان إلى التفكّر والتدبّر في أعمال الخلق المنطوية على ظواهر طبيعية بدا واضحاً في السياق القرآنيّ أن العرض المبتغى هو عرض طلاقة القدرة الإلهية. في سياق هذه التأمّلات نجد آيات تقدم لنا إشارات إلى معطيات متصلة بحقائق علمية راسخة، وهي حقائق متعلّقة باكتشافات علمية لم تتم البرهنة عليها إلّا في عصرنا الحديث. غير أنه من الضروريّ أن يتصف المرء بالحذر عند دراسة معاني الكلمات في السياق القرآنيّ حين يحاول فهمها في علاقتها بمعلومات علمية. وهناك مثال أسوقه من الترجمة الشائعة لجزء من الآية 54 من سورة الأعراف:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ…

ومع ذلك فإننا نعرف أن كلمة “الأيام” باللغة العربية، التي تترجم إلى Days بالإنجليزية، تظهر في القرآن للإشارة إلى فترة زمنية بالغة الطول وليس اليوم كما نعرفه في عالمنا المقدّر بأربع وعشرين ساعة. وهناك أمثلة أخرى أوردتها في كتابي “الإنجيل والقرآن والعلم”. وما يبدو لي ذا أهمية جوهرية هو أن القرآن، على عكس الرواية الإنجيلية، لا يضع ترتيباً في خلق السماوات والأرض.
فالفكرة الرئيسة التي يمكن استخلاصها من الآيات المتعلّقة بالخلق الكونيّ في القرآن هو تلازم عملية الخلق السماويّ والأرضيّ مع التفاصيل الجوهرية المتصلة بتكوين الكتلة الغازية الأولية الفريدة التي كانت العناصر المكوّنة لها في تماسك قبل أن تنفصل فيما بعد. وهذا هو ما نجده في جزء من الآية 11 من سورة فصّلت:

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ…

ثم في الآية 30 من سورة الأنبياء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {21/30}

لقد أدّت عملية الفصل هذه إلى تكوين عوالم متعددة. وهو أمر تكثر الإشارة إليه في القرآن، إذ نقرأ إشارة واضحة إليها في الآية 2 من سورة الفاتحة:

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {1/2}

في هذا يتفق القرآن بشكل كامل مع المعلومات العلمية الحديثة حول وجود سديم غازيّ Nebula وحدوث عملية فصل ثانويّ للعناصر المكوّنة للمادة الفريدة الأولى. وقد أدى هذا الفصل إلى تكوين المجرات التي انقسمت إلى نجوم منها ولدت الكواكب. ويتفق هذا كله بشكل مثاليّ مع ما توصّلت إليه علوم حديثة معنية بتاريخ الكون. وبالإضافة إلى هذا ثمة إشارة في القرآن إلى خلق وسيط بين السماوات والأرض. هذا ما نقرأه في جزء من الآية 38 من سورة ق:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا…

وتتلاقى الإشارة إلى خلق وسيط مع اكتشافات حديثة لجسور من المادة توصف بأنها “محابس” موجودة خارج الأنظمة الفلكية المرتّبة. والآن…هل يمكننا أن نتخيّل أن إنساناً عاش منذ ما يربو على 1000 عام كان عليماً بكل هذه المكتشفات التي ظهر أنها في اتفاق تام مع المفاهيم العامة عن الكون، والتي لم تتشكّل في علمنا إلّا بعد مضيّ قرون على وفاته؟!
ونعثر في القرآن على إشارات إلى طبيعة وحركة التكوينات في العالم السماويّ ومنها على سبيل المثال الشمس والقمر اللذان وُصفا في الإنجيل بأنهما “مضيئان”. يميّز القرآن بينهما بذكر كلمات مختلفة للدلالة على طبيعة كل منهما. فالقمر “نور” والشمس “سراج”. ونحن نعلم اليوم أن القمر جسم جامد لا يضيء بذاته إنما يعكس ضوء الشمس فنراه نوراً. أما الشمس فهي نجم سماويّ في حالة احتراق دائم فهي مصدر للحرارة والضوء. وكلمة نجم في القرآن ترد مصحوبة بصفة أخرى تشير إليه كجسم محترق يستهلك ذاته كما يظهر لنا في عتمة الليل. والكلمة التي يذكرها القرآن لهذه الظاهرة ترد في وصف النجم “بالثاقب”. أما كلمة كواكب فتعني بالتأكيد Planets وهي تكوينات سماوية تعكس الضوء ولكنها لا تولده. نحن نعلم اليوم أن التوازن في المنظومة السماويّة يرجع إلى وضع النجوم في أفلاك محدّدة تحكمها قوى الجاذبية المتصّلة بكتلة النجوم وسرعة حركتها. لكل جرم معدل حركته الخاص به. فحركة النجوم والكواكب في أفلاكها هي أساس هذا التوازن. نقرأ في الآية 33 من سورة الأنبياء:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {21/33}

ويصف القرآن حركة النجوم والكواكب في أفلاكها بكلمة “يسبحون”. والمعنى الأصليّ لفعل “يسبح” مستمد من حركة أي جسم متحرّك كحركة السيقان في حالة العدو أو حالة السباحة في الماء.
أما تعاقب الليل والنهار فيعبّر عنه القرآن بمعنى بالغ الدلالة في عصرنا؛ فيورد القرآن فعل “يكوّر” في الآية 5 من سورة الزمر:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ {39/5}

والمعنى الأصليّ لفعل “يكوّر” هو وصف للف العمامة حول الرأس. وهذه مقارنة مشروعة تماماً. غير أنه في زمن تنزيل القرآن كانت المعطيات الفلكية اللازمة لعقد مثل هذه المقارنة مجهولة تماماً.
ويأتي القرآن أيضاً على ذكر تطوّرات في العالم السماويّ في مقدمتها جريان الشمس نحو موقع مستقرّ لها. وهذا أيضاً يتفق بشكل كامل مع المعطيات المبرهن عليها علمياً في عصرنا. وأكثر من هذا يبدو أن القرآن يشير إلى توسّع الكون.
أما غزو الفضاء فيجد له أيضاً ذكراً في القرآن. لقد أمكن البرهنة على ما ذكره القرآن بفضل التقدم التقنيّ الباهر الذي أحرزه الإنسان ومكّنه من بلوغ القمر. هذا هو ما يقفز إلى الذهن ونحن نقرأ الآية 33 من سورة الرحمن:

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ {55/33}

وورود كلمة “سلطان” في الآية بمثابة دعوة للبشر لتلمّس نعمة الله عليهم وتقديرها.
ولنعد الآن إلى الأرض. فمن بين آيات قرآنية كثيرة دعونا نستشهد بآيات عن الجبال. لقد أخبرتنا الجغرافيا الحديثة عن ظواهر التطبيق الجيولوجي Geological Foldingالمسئولة عن تكوين السلاسل الجبلية. ويرتبط ثبات الجبال بهذه الظواهر مادامت الطبقات أو الطيّات توفّر أساس التباين بين ارتفاعات أسطح القشرة الأرضية المكوّنة للجبال والتلال Relief. نقرأ في الآيتين 6 – 7 من سورة النبأ:

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا {78/6} وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا {78/7}

ويمكن تشبيه “الأوتاد” المغروسة في الأرض بتلك التي تشد أركان الخيمة، وهي تمثّل أساسات عميقة للطيّات الجيولوجية. وبوسعنا أن نلاحظ التناغم القرآنيّ نفسه مع العلم الحديث في إشارات القرآن الكثيرة لدورة الماء في الطبيعة. فهذا موضوع معروف تماماً اليوم ويبدو أن الآيات التي تشير إليه تشرح نفسها بوضوح تام. غير أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار الأفكار السائدة عن هذا الموضوع في زمن الوحي منذ أربعة عشر قرناً، فسنجد أن الأفكار الشائعة عن دورة الماء تبدو أقرب إلى الفلسفة أو الخرافة منها إلى الحقائق العلمية. إن الذين يدرسون اليوم ويحلّلون تلك الأفكار وأخرى غيرها يعترفون بأنه لم يحدث مطلقا أن أياً من تلك الأفكار القديمة المغلوطة قد وجدت طريقها إلى القرآن. لنقرأ جزءا من الآية 21 من سورة الزمر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ…
ربما يتعيّن علينا القيام بمقارنة تشمل جانباً واحداً من دورة الماء، التي تشير إليها الآية، وتفاصيل أخرى عن هذا الموضوع مذكورة في القرآن، مع الأفكار الأخرى التي ظلّت سائدة لعصور وأحقاب عن دورة الماء. ويرجع تاريخ أول وصف متماسك لدورة الماء إلى القرن السادس عشر عند برنار باليسي Bernard Palissy. فقبل باليسي كان الناس يلوكون نظرية مفادها أن مياه المحيطات قد اندفعت، تحت تأثير رياح هائلة، إلى داخل القارّات. ثم ما لبثت أن عادت مرة أخرى عبر “الهاوية العظمى” التي كان يطلق عليها من زمن أفلاطون تارتاوس Tartarus. في القرن السابع عشر كان هناك مفكّرون كبار كديكارت Descartes ما زالوا يؤمنون بهذه الخرافة. حتى في القرن التاسع عشر ظلّ الحديث مسموعاً عن نظرية مؤداها أن الماء قد تركّز وتكثّف في كهوف جبلية باردة كوّنت بحيرات تحت الأرض كانت مصدر غذاء للينابيع.
إننا نعلم اليوم أن عملية الترشيح لمياه الأمطار داخل الأرض هي المسئولة عن تغذية الينابيع. ولو قام المرء بمقارنة الحقائق الحديثة المبرهن عليها في علم مياه الأرض Hydrology مع المعطيات التي نجدها في آيات عديدة في القرآن تشير إلى هذا الموضوع، فلن يغفل المرء عن ملاحظة درجة التطابق المذهلة بين الحقائق العلمية والمعطيات القرآنية في هذا الصدد.
لقد تأثرت أكثر من أيّ شيء آخر بالمعطيات القرآنيّة المتصلة بالكائنات البشرية ومملكتيّ الحيوان والنبات ولاسيما تلك المتعلّقة بأصل الإنسان والتناسل الإنسانيّ. إنها نعمة من نعم عصرنا أن التقدم العلميّ قد يسّر لنا اليوم فهم محتوى آيات قرآنيّة كثيرة. وهي آيات شرحها مفسّرو القرآن القدامى في إطار معانيها الظاهرة، وقد كان هذا أمراً بالغ الأهمية بالطبع من حيث تبيان وتأكيد طلاقة القدرة الإلهية. غير أنهم لم يستطيعوا الغوص في معانيها الحقيقية في ضوء حاجتهم إلى معرفة علمية تعينهم بالضرورة على فهم الإشارات العلمية في تلك الآيات. حتى في يومنا هذا فإن كثيراً من الترجمات والتفاسير، التي أنجزها رجال لا يملكون سوى خلفية أدبية، تحفل بأخطاء حول المعاني الحقيقية لتلك الآيات. إن العالم الطبيعيّ هو المؤهّل الوحيد لسبر أغوار تلك الآيات وشرحها من منظور علميّ. إن التعبيرات المتصلة بعلم الحياة Biology في القرآن ذات دلالات بالغة الأهمية. هذا ما نلمسه في الآية 30 من سورة الأنبياء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ {21/30}

هذا تأكيد واضح على الفكرة المعاصرة القائلة بأن أصل الحياة مائيّ.
لم يكن البحث في علم النبات Botany في زمن النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم متقدماً في أيّ بقعة على الأرض ليمكّن العلماء من معرفة أن في عالم النبات أعضاء مذكّرة وأخرى مؤنّثة. ومع ذلك فلنقرأ ما يلي في الآية 53 من سورة طه:

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى {20/53}

ونحن نعلم اليوم أن الفاكهة – الثمرات تنحدر من نباتات تتميّز بخصائص جنسية حتى عندما تأتي من زهور غير ملقّحة كالموز مثلاً. في جزء من الآية 3 من سورة الرعد نقرأ ما يلي:
…وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ…
في ميدان علم وظائف الأعضاء Physiology هناك آية واحدة تبدو لي ذات دلالة عظمى. ولكي نفهم هذه الآية يتعيّن علينا معرفة أن التفاعلات الكيميائية تحدث داخل الأمعاء مطلقة مواد مغذية مستخلصة من الأطعمة في مجرى الدم. ثم يقوم مجرى الدم بنقل العناصر المغذية إلى كل أعضاء الجسم، ومن بينها الغدد الثديية Mammary Glands المدرّة للبن. هذا هو بالتحديد ما يرد في الآية 66 من سورة النحل:

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ {16/66}

تقوم الغدد الثديية بفرز مكوّنات اللبن التي يغذّيها نتاج عملية هضم الطعام المنقول إليها بواسطة مجرى الدم. إن الحدث الأوليّ الذي يطلق العملية بأسرها في مسارها هو الترابط بين الأمعاء والدم على مستوى الجدار المعويّ نفسه.
يثري القرآن الإنسان إلى حد كبير بمعلومات عن نفسه كما سنرى. غير أنه لم يتح فهم الآيات القرآنيّة الحاملة لإشارات علمية متصلة بالجسم الإنسانيّ بشكل واضح إلّا في عصرنا الحديث. وباعتباري طبيباً فقد شعرت بانجذاب طبيعيّ نحو تلك الآيات التي تشير إلى علوم طبيعية وفسيولوجية. ويتعيّن عليّ أن أقرّ هنا بأنني بعد ما درست اللغة العربية وقرأت تلك الآيات لأول مرة في لغتها الأصلية كانت المعطيات المتعلّقة بالجسم الإنسانيّ أعظم ما تخلّف في نفسي من أثر. ولعل هذا يعلّل لم سارعت حالما فرغت من دراسة القرآن إلى إلقاء محاضرة في أكاديمية الطب الوطنية الفرنسية تركّز على المعطيات الفسيولوجية والجنينية في آيات من القرآن. ومن أجل القيام بمقارنة صحيحة يجب أن نتذكّر أن جملة من الخرافات والأساطير كانت تحكم التفكير في موضوع التناسل الإنسانيّ لعصور وأحقاب. ولدهشتنا فإن القرآن خال تماماً من أية إشارة إلى تلك الخرافات والأساطير. دعونا الآن نستخلص من تلك الآيات معلومات محددة تتعلّق بتعقيد تركيب السائل المنويّ المخصّب عند الذكر – المنيّ، وحقيقة أنها كمية صغيرة للغاية منه تكفي لضمان حدوث تخصيب لبويضة الأنثى. ويمكنني أن أصف هذا السائل بكلمة “خلاصة” Quintessence. هذا إن كانت ترجمتي صحيحة للكلمة العربية “سلالة”. ويصف القرآن في عدة آيات، وعلى نحو مطابق تماماً لما توصّل إليه علم الأجنّة، وضع البويضة داخل عضو الأنثى الجينيّ – الرحم بكلمة “علق” وهو وضع تعلّق البويضة بجدار الرحم كما تشير الآية 2 من سورة العلق:

خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {96/2}

لا اعتقد أن هناك ترجمة مقبولة لكلمة “علق” أفضل من استخدامها في معانيها الأولية. فمن الخطأ ما يترجم به البعض هنا الكلمة إلى “كتلة دموية متجلّطة” Blood Clot. فهذا معنى اشتقاقي لا محل له في هذا السياق. وفي حين أن القرآن يصف بشكل موجز تطوّر الجنين داخل الرحم فإنه وصف بالغ الدقة، لأن الكلمات البسيطة الدالّة عليه تتفق تماماً مع المراحل الأساسية في نمو الجنين. هذا ما نقرأه في جزء من الآية 14 من سورة المؤمنون:
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا…
تتفق كلمة “المضغة” – اللحم الممضوغ Chewed Flesh على نحو دقيق مع شكل الجنين في هذه المرحلة من مراحل تطوّره. ومن المعروف أن العظام تنمو وتتطوّر داخل الكتلة اللحمية قبل أن تكسوها العضلات. هذا هو معنى كلمة “لحم” Intact Flesh. ونحن نعرف اليوم أن الجنين يمر بمرحلة يتم فيها تخليق بعض الأعضاء بشكل متناسب وأخرى بشكل غير متناسب وهو ما يحدّد هوية الفرد فيما بعد. ويتجلّى هذا المعنى بوضوح في جزء من الآية 5 من سورة الحج:

…مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ…

ثم في جزء من الآية 9 من سورة السجدة هناك إشارة إلى الحواس والأعضاء الداخلية في الجسم البشريّ:

…وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ {32/9}

تتفق هذه الإشارات في تناغم تام مع ما تم اكتشافه بعد مضي قرون على وفاة النبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يمكن تخيّل أو تصديق أن معطيات كثيرة متصلة بالعلم واردة في القرآن تحتمل أن تكون من إبداع إنسان. ولذا فإنه من المنطقيّ تماماً النظر إلى القرآن ليس باعتباره وحياً منزّلاً فحسب بل أن يمنح موقعاً عليّاً خاصّاً به على أساس الضمان الذي يوفّره لنا بثبوت صحته وأصالته بالإشارات العلمية المتضمّنة في آياته. فعندما ندرس القرآن حتى في عصرنا هذا نراه لا يزال يشكّل تحدياً حقيقياً للمعرفة الإنسانية.

]]> https://bucaillelegacy.com/2016/11/24/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85/feed/ 0 3132